لم يكن التعليم في الكويت يوما مجرد مدارس ومناهج وجداول حصص، بل كان دائما حكاية مجتمع بأكمله. حكاية آباء وأمهات آمنوا بأن المعرفة هي الطريق الوحيد للأمان والتقدم. من الكتاتيب البسيطة التي علمت الأبناء القراءة الأولى، إلى مدرسة المباركية التي ولدت عام 1911 من جهد شعبي صادق، وصولا إلى جامعة الكويت عام 1966 كحــلم وطني كبير.. كان التعليم دائما نبض المشروع الكويتي، ومصدر فخره.
ومع مرور السنين، تعاقبت التجارب والقيادات على وزارة التربية. بعضها ترك بصمة لاتزال حاضرة في الذاكرة، وبعضها حاول فأصاب مرة وأخفق أخرى، وبعض القرارات - بحسن نية - تركت فجوات أرهقت المعلم والطالب معا. لكن الحقيقة أن الوقوف طويلا عند الماضي لم يعد مجديا. السؤال الأهم اليوم ليس: بماذا أخطأنا؟ بل: هل نحن مستعدون لما هو قادم؟
العالم يتغير أمام أعيننا بسرعة مقلقة. الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية أو ترفا تقنيا، بل أصبح جزءا من حياتنا اليومية، ومن طريقة تعلم أبنائنا وعملهم لاحقا. لم يعد التحدي في تحديث كتاب أو إضافة مادة، بل في إعادة تعريف معنى التعليم نفسه. تقارير اليونيسكو تتحدث اليوم عن «عقد اجتماعي جديد» للتعليم، لأن العلاقة بين الإنسان والمعرفة والتكنولوجيا لم تعد كما كانت. الوظائف تتغير، والمهارات التي نعرفها اليوم قد لا تكفي غدا.
الأرقام هنا ليست للتخويف، بل للتنبيه. مثلا، المنتدى الاقتصادي العالمي يحذر من أن ما يقارب نصف مهارات العاملين ستتغير خلال سنوات قليلة، والبنك الدولي يضع الأنظمة التعليمية في سباق مع الزمن. الرسالة واضحة: من لا يستعد الآن، سيدفع الثمن لاحقا، أفرادا ومجتمعات.
بصدق، يبدو أننا نقترب من نهاية صورة المدرسة التقليدية التي عرفناها طويلا. ليس لأن المدرسة ستختفي، بل لأن دورها سيتغير. المعلم لن يكون ناقل معلومة فقط، بل مرشدا وداعما وملهما. وبعض الأدوار الروتينية ستتراجع، ما يفرض علينا التفكير بواقعية ورحمة في مصير العاملين في الميدان التعليمي، لا تتجاهلهم أو تتركهم يواجهون المصير وحدهم.
تطوير التعليم اليوم لا يحتاج شعارات، بل شجاعة. شجاعة الاعتراف بأن الحفظ لم يعد كافيا، وأن الجمود لم يعد خيارا. نحن بحاجة إلى تعليم يعلم أبناءنا كيف يفكرون، لا ماذا يحفظون، يدرسهم كيف يتعلمون من الخطأ، وكيف يتعاملون مع التكنولوجيا دون أن تفقدهم إنسانيتهم.
بين إرث «المباركية»، بكل ما يحمله من قيمة ومعنى، وزلزال الذكاء الاصطناعي الذي يهز العالم، تقف الكويت أمام لحظة مفصلية. إما أن نعيد بناء تعليمنا بروح العصر، أو نكتفي بالدفاع عن شكل جميل من الماضي، بينما المستقبل يمضي دون أن ينتظرنا.
dralsharija@