إن الذين تجنّوا على الإسلام، ووصفوه بأنه يعارض التطور العلمي، لا مراء انهم يصمون أنفسهم بالجهل، ويرد عليهم قول في الأدبيات بانه لم تعرف الإنسانية دينا سماويا أو أمة من الأمم، أو منظمة من المنظمات الدولية دعت الى العلم وتابعت تنفيذ ما دعت اليه، ورغبت من ينتمي في طلبه في أي مكان وفي أي زمان، وأصرت على استمراره ما بقيت الحياة، أكثر من الإسلام. فالدعوة الى العلم وطلبه وتعليم الناس كان الأمر من الله تعالى الى نبيه صلى الله عليه وسلم في أول آيات القرآن الكريم التي نزلت على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ـ 5 ـ العلق).
كما ان كثيرا من آيات القرآن الكريم تدعو الى طلب العلم وترفع من أقدار العلماء إلى أسمى الدرجات قال تعالى: (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ـ11ـ المجادلة) وفي قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ـ 9 ـ الزمر).
ويقول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وان طالب العلم يستغفر له من في السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».
ويحث القرآن الكريم على البحث والتعلم والتدبر والتمحص، والتفكير، فبالتفكير يتميز الإنسان على الحيوان، واذا فقد الإنسان قدرته على التفكير انحط الى مستوى الحيوانات، (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ـ 44 ـ الفرقان).
وبالتفكير يتشكل معنى مما يرد العقل من إشارات عن طريق الحواس المختلفة، فيستكشف الظواهر، ويتنبأ بحدوثها فيتخذ الاحتياطات للسيطرة عليها، وبذلك يوجه الإنسان حواسه لاكتساب المعرفة، وبالتفكير يتحرى الموضوعية، والصدق والتجرد من الهوى، وبه يتعلم الدقة، والمثابرة ويتروى في اصدار الاحكام قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ـ 6 ـ الحجرات).
وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم داعية الهداية في سيرته قولا وعملا وتقديرا، اذ أكد ان الإيمان النابع من العلم والتفكير خير من الإيمان الأعمى لقوله: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال: «ان الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلّون على معلمي الناس الخير».
وتزخر السيرة النبوية الشريفة بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بالتفكير في مخلوقات الله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ـ191ـ آل عمران).
اذ قال صلى الله عليه وسلم: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر بها» وعن تراث علماء الإسلام نستقي قولا لأحد الأدباء المسلمين «أفليس من حق عالمنا العربي جابر بن حيان علينا، ان نسجل له بالفخر والاعجاب فكريا رسمه لنفسه في القرن الثامن وأوائل القرن التاسع الميلادي، منهجا اعتمد على الاستنباط والاستقراء معا، اعتمادا جليا، فاقرأ، مثلا وصفه لمنهجه، وقد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح وامتحنته فما كذب».
لا مراء في أن علماءنا السوالف قد اجتهدوا وساهموا في بناء الحضارة الإنسانية، بيد انه وبعد الانتكاسات التي منيت بها وتعرضت لها الدول العربية والإسلامية أصبحنا ـ إلا ما ندر من الأمم ـ نأكل مما لا نزرع، ونلبس مما لا نصنع، ونتداوى بما لا نخترع ونبتكر، و... و.... فأصبحنا وغدونا وأمسينا أمة متخلفة عالة على التقدم الحضاري، فهل من صحوة وكيف؟
[email protected]