Note: English translation is not 100% accurate
القول الثج في جواز النيابة والاستئجار في الحج (2 ـ 2)
8 نوفمبر 2010
المصدر : الأنباء

ذكرنا في المقال السابق أدلة القائلين بجواز الإجارة أو الاستئجار على الحج والعمرة، واليوم نكمل معكم القولين الآخرين في هذه المسألة وأدلتهما والرد عليهما كما وعدناكم. فالقول الثاني هو الجواز مع الكراهة، وهو مذهب المالكية، واستدلوا على مذهبهم بأن أخذ الأجرة على الحج إنما هو من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة، وإن أخذ العوض عن العبادة ليس من شيم أهل الخير.قلت: وقول المالكية فيه نظر إلا ان يحمل قولهم على أن المستأجر إذا كان قصده ونيته اكتساب المال دون النظر إلى الإحسان للمحجوج عنه، أو رؤية مشاعر وشعائر الحج ورغبته في الوصول إلى أماكن العبادة كالكعبة. وأما القول الثالث فهو عدم الجواز، وهو مذهب الحنفية، حيث ذهبوا إلى عدم الجواز كما صرح بذلك ابن عابدين «أن القول الصحيح الذي عليه جميع فقهاء المذهب سواء المتقدمون منهم أو المتأخرون أن الاستئجار على الحج لا يجوز«، واحتج الحنفية بحديث: مر النبي صلى الله عليه وسلم بمرداس المعلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك والخبز الرقيق، والشرط على كتاب الله تعالى«. قلت: هذا حديث باطـــل، أورده ابن الجــوزي في الموضوعات، فقال روي عن الضحاك عن ابن عبــاس وأورده في العلل المتناهية.
القول الراحج الجواز
وأما القول الراجح الذي ترجح لي في هذه المسألة فهو القول بجواز الاستئجار على الحج والعمرة وذلك لعدة أدلة، منها وجاهة وقوة أدلة المجيزين، ولا شك بأنها نصوص صحيحة وصريحة في وقوع الحج عن المحجوج عنه فإذا جازت الإنابة وحصل الانتفاع للنائب جاز له أخذ الأجرة، ومنها أنه لا ريب بأن الحج لا يمكن أداؤه إلا بالمال والصحة، فإذا لم يتمكن المسلم صحيا وبدنيا من الحج جاز أن يستنيب عنه أحدا، ويدخل المستطيع ماديا في قوله تعالى (من استطاع إليه سبيلا)، وهذا لا يكون غالبا إلا بإعطاء المستنيب نفقة حتى يحج عنه. قال شيخ الإسلام «في الحج عن الميت أو المعضوب بمال يأخذه إما نفقة، فإنه جائز بالاتفاق، أو الإجارة والجعالة على نزاع بين الفقهاء في ذلك سواء كان المال المحجوج به موصى به لمعين، أو عينا أو مبذولا أو مخرجا من صلب التركة، فمن أصحاب الشافعي من استحب ذلك، وقال: هو من أطيب المناسك لأنه يعمل صالحا ويأكل طيبا«، وقال في موضع آخر «وحقيقة الأمر في ذلك أن الحاج يستحب له ذلك الإحسان إلى المحجوج عنه، وذلك أن الحج عن الميت إن كان فرضا فذمته متعلقة به فالحج عنه إحسان إليه بإبراء ذمته بمنزلة قضاء دينه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه«؟ قالت: نعم، قال: «فالله أحق بالقضاء»، وكذلك ذكر هذا المعنى في عدة أحاديث، بين أن الله لرحمته وكرمه أحق بأن يقبل قضاء الدين عمن قضى عنه فإذا كان مقصود الحاج قضاء هذا الدين الواجب هذا، فهذا محسن إليه والله يحب المحسنين فيكون مستحبا، وهذا في الغالب إنما يكون لسبب يبعثه على الإحسان إليه، مثل رحم بينهما، أو مودة وصداقة أو إحسان له عليه يجزيه به، ويأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه، وعلامة ذلك أن يطلب مقدار كفاية حجه، وهنا جوزنا نفقة الحج بلا نزاع وكذلك لو أوصى بحجة مستحبة، وأحب إيصال ثوابها إليه». وأما إذا كان مؤثرا أن يحج محبة للحج وشوقا إلى المشاعر، وهو عاجز فيستعين بالمال المحجوج به على الحج، وهذا قد يعطى المال ليحج به عن أحد كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فلا شبهة فيه فيكون لهذا أجر الحج ببدنه، ولهذا أجر الحج بماله كما في الجهاد فإنه من جهز غازيا فقد غزا وقد يعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون قصد المعطي الحج عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحج لا بنفس الإحسان إلى الحاج. ومن أدلة القول بجواز الاستئجار كذلك أنه قول فيه تيسير، ورفع للمشقة والحرج عن الذين لم يحجوا، وشريعتنا السمحاء قائمة على مراعاة أحوال المسلمين ودفع الضيق عنهم فالقول بجوازه قول وجيه يوافق أصول شرعتنا بحمد الله تعالى، فالقول به مما يرفع عن المسلم الذي لم يحج فريضة وأنه مؤاخذ عليه يوم القيامة لأن ذمته لم تبرأ بسبب عدم الحجة. وعلى المستنيب أن يبرئ ذمة المحجوج عنه ويكون همه هو إيقاع الحجة على وفق قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم«، وأن يشاهد الأماكن المقدسة ولا يكون همه جمع المال. وإذا كان المسلم لا يستطيع أداء مناسك الحج والعمرة بنفسه كمن كان مريضا لا يرجى شفاؤه ولا يؤمل برؤه أو لا يقدر على الركوب فيجوز له أن ينيب عنه من يحج ويعتمر، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم«وذلك في حجة الوداع، وفي رواية لمسلم: «فحجي عنه«، وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أمرت امرأة سنان بن عبدالله الجهني أن يسأل رسول الله أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها؟ قال: نعم، قال: فلتحج عن أمها«، حديث حسن: أخرجه النسائي وأحمد، وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ قالت: نعم قال: اقضوا الله فالله أحق بالوفاء«. أخرجه البخاري، وفي رواية له «فاقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء«. وكذلك حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لو كان مسلما فأعتقتهم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك«، وفي رواية: «فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» حديث صحيح أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقي. wقال الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الأنصارى المعروف بابن الملقن (723 ـ 804هـ) في كتابه «التوضيح شرح الجامع الصحيح» في الكلام حول حديث المرأة الخثعمية الذي تقدم وهو يذكر فوائده «سابعها: فيه أن النيابة في الحج سائغة بأجرة وبغيرها وهو أن يكون عاجزا عن المباشرة بنفسه، إما بزمانة لا يرجى زوالها وسببها، فله أن يستنيب وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق». وقال مالك والليث والحسن بن صالح «لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام»، وورد قول في مذهب مالك بأنه تجوز في الولد، وقال «يتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق وتنفذ الوصية به على المشهور عندهم، ويكون لمن حج أحب إلي فإن لم يوص لم يجز، وإن كان فلا ضرورة على الأصح، ويكره للمرء إجارة نفسه على المشهور وتلزم». قال ابن المنذر «وأجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه لا يجزئ أن يحج عنه غيره، وقد روينا عن علي أنه قال لرجل كبير لم يحج: «إن شئت فجهز رجلا يحج عنك» أخرجه ابن أبي شيبة، وعن النخعي وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال «لا يحج أحد عن أحد ولا يصح أحد عن أحد» وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الشافعي والجمهور «يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أو لا، وهو واجب في تركته، وعندنا تجوز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين«. أخيرا نذكر فائدة من كتاب «الشرح الممتع لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله» في مسألة حج الإنابة، هل يجوز لرجل أن ينيب من يحج عنه أكثر من واحد في عام واحد؟ والجواب يجوز ذلك، لكن إذا ناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟ والجواب: من أحرم أولا وتكون الثانية نفلا.