Note: English translation is not 100% accurate
أكد لـ «الأنباء» أن الابتلاء من سنن الله في خلقه ليميز الصادق من الكاذب وأنها تكثر في آخر الزمان
النجدي: تقوى الله تمنح المسلم بصيرة وقدرة على التفريق بين الحق والباطل عند وقوع الفتن
5 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء


من أسباب النجاة من الفتن الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إلى العلماء الراسخين ولزوم جماعة المسلمين
من صور التشدد المذموم التسرع في التكفير والتفسيق والتبديع للمخالف دون بينة.. وتغيير المنكر ولو كان في غير استطاعته أو حدود مسؤوليته
الجهل واتباع الهوى والتنطع في الدين وكيد الأعداء من الملل المنحرفة أبرز أسباب الوقوع في الفتن
إعداد: ضاري المطيري
حذرنا الشرع المطهر من الفتن التي تقع آخر الزمان، كما في قوله ژ «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل» متفق عليه، ونظرا لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد وردت نصوص عديدة تحذر من الوقوع فيها، وأفرد لها العلماء فصولا وأبوابا في كتبهم ومصنفاتهم للحديث عنها، وعرض سبل النجاة منها.
وقال النبي ژ «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط»، «الأنباء» التقت الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية د.محمد الحمود النجدي للحديث عن أوصاف وأحوال فتن آخر الزمان، وعن الموقف الأمثل للمسلم لاتقائها والسلامة منها، وفيما يلي تفاصيل اللقاء: ما الحكمة من الفتن والبلايا، خاصة فتن الدين؟
٭ لقد خلق الله الخلق لحكم بالغة وغايات سامية، كما قال سبحانه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فخلق الثقلين الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيجب تعلمها وأداؤها على وجهها والإخلاص فيها لله تعالى. ومن سنن الله تعالى في خلقه ابتلائهم وامتحانهم، حتى يتبين الصادق في إيمانه، الصابر على بلائه، من ضده وهو الكاذب أو الضعيف في إيمانه، ومن يجزع عند بلائه، قال تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) أي فليعلمن الله ذلك ظاهرا يظهر للوجود، ليترتب عليه الجزاء، ويظهر عليهم ما علمه الله فيهم، إذ ان الله برحمته لا يعاقب عباده على ما علم أنه سيكون منهم قبل أن يعملوه، وقال سبحانه (ونبلونكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» أخرجه الترمذي وابن ماجه.
ومعنى الفتنة في اللغة الابتلاء والاختبار والامتحان، وأما في الاصطلاح «فالفتنة ما يعرض للعباد من بلايا ومحن، في أمور دينهم أو دنياهم فتظهر سرائرهم، وتنكشف حقائقهم»، وقد وردت الاخبار عن وقوع الفتن وكثرتها وشدتها، ان من رحمة الله بنا أن أرسل إلينا نبيا كريما حذرنا من كثرة الفتن كما في قوله صلى الله عليه وسلم «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل» متفق عليه.
وقوله صلى الله عليه وسلم «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل» رواه مسلم، ونظرا لكثرة الفتن وشدة خطرها على العبد، وما ورد من النصوص المبينة لها المحذرة من الوقوع فيها، فقد أفردها العلماء بفصول وأبواب في كتبهم كأصحاب الصحيح والسنن.
ما أحوال فتن آخر الزمان وأوصافها والتي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم؟
٭ لقد جاء في الأحاديث المتنوعة وصف الفتن بصفات كثيرة، نظرا لتنوعها واختلافها وأحوالها فمما وصفت به الفتن ما يلي:
1- وقوع الفتن كقطع الليل المظلم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم» رواه مسلم، شبهت الفتن في ظلمتها ولبسها على العباد بقطع الليل المظلم.
2- وقوع الفتن كرياح الصيف في تتابعها، وسرعة مجيئها، وتنوعها كما في حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو يعد الفتن «منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار» رواه مسلم.
3- أنها يرقق بعضها بعضا أي: تتعاظم الفتن مع مرور الزمن، حتى تكون الفتنة السابقة كأنها رقيقة، أي: هينة قليلة، لشدة ما بعدها، وهكذا الأمر بازدياد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم».. الحديث رواه مسلم، وفيه «وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعض، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه» أي: هذه التي ستهلكني.
4- أنها تموج كموج البحر: كما ثبت: أن عمر رضي الله عنه قال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجريء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» قال: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر»... متفق عليه، وقد شبهت بذلك لشدة اضطرابها، واضطراب الناس، واختلال أحوالهم معها.
5- أنها تعرض على قلوب العباد فتنة فتنة: وتختلف فيها أحوال العباد تجاهها، فمن تقبلها ضل وهلك، ومن ردها ونفاها اهتدى ونجا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكته سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا، كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه» الحديث متفق عليه.
ما أسباب الوقوع في الفتن حتى يجتنبها المسلم فينجو؟
٭ أسباب الوقوع في الفتن كثيرة متنوعة، فمن أسباب الوقوع فيها:
1- الجهل: والجهل آفة عظيمة، وداء عضال، وهو مع الظلم أصل كل شر، كما قال تعالى: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، والمراد به الجهل بالله وبدينه وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وعدم معرفة ذلك على الحقيقة، وعدم فهم الدين كما فهمه السلف الصالح، أهل العلم والتقى، فمن لم يعرف الحق كيف يتبعه؟ ومن لم يعلم السنن كيف يطبقها؟ وكيف تكون له نية المتابعة وهو لا يعرف ما يتابع فيه؟ فالجاهل يسير على غير هدى ولا منهاج.
2- الهوى: اتباع الهوى يهوي بصاحبه في نار جهنم، إذ ليس له إمام حق يتبع، بل يتبع ما تهواه نفسه بدون ضابط، والنفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)، وقال سبحانه: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) النجم. فالمؤمن متبع هدى، لا متبع هوى، وقال تعالى: (ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).
3- التشدد والتنطع في الدين: وذلك من أعظم أسباب الوقوع في البدع، والفتن، فالتشدد وتضييق الشريعة الواسعة، يوقع صاحبه في الحرج والعسر، وهو مضادة للشريعة، ومخالفة لها، فقد قال الله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقال (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقال (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقال (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة» رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق وقال «أرسلت بالحنيفية السمحة» رواه الإمام أحمد، والتنطع في الدين سبب للهلاك كما قال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. رواه مسلم، فمن التشدد التسرع في التكفير والتفسيق والتبديع للمخالف دون بينة، ودون النظر في تحقق شروط الحكم، وانتفاء موانعه، وكذا التسرع في تغيير المنكر، ولو كان في غير استطاعته، أو حدود مسؤوليته، ولو ترتب عليه منكر أعظم منه، وكذا المبالغة برفع بعض المستحبات إلى درجة الواجبات، أو بعض المكروهات إلى مقام المحرمات.
4- كيد أعداء الله لهذه الأمة على اختلاف أصنافهم من يهود ونصارى، ومنافقين، ومرجفين، وأهل أهواء وغيرهم، قال تعالى (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)، وقال (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)، وقال تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم...)، فأهل الباطل يبغون للحق وأهله الغوائل، ويكيدون لهم ظاهرا وباطنا، بالطعن في الدين والتشكيك، وبث الشبهات، والدعايات المضللة، ليصدوا المسلمين عن دينهم، ويزينوا لهم الباطل، فهم أعوان إبليس الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.
إذن ما أسباب النجاة مما ذكرتم من فتن؟
لقد تركنا نبينا صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، ليلها ونهارها سواء، لا يضل عنها إلا هالك، وكان من بيانه لنا أن بين لنا أسباب النجاة والوقاية من الفتن، فمن أسباب النجاة من الفتن ما يلي:
٭ الاعتصام بالكتاب والسنة، وفهمهما على ضوء فهم السلف الصالح، وذلك يعنى العلم بدين الله تعالى، والعمل بذلك العلم والتمسك به، بعد فهمه على ضوء فهم السلف الصالح، وذلك ليبقى الفهم منضبطا والمنهج قويما، والتمسك بالكتاب والسنة هو أعظم أسباب العصمة والنجاة من الفتن، قال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون)، وقال (فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما)، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تهلكوا ولن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي». وقال: «إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدا»، رواه ابن حبان، وصححه الألباني.
٭ الأخذ عن العلماء، والرجوع إليهم، والالتفاف حولهم وتوقيرهم، فقد أمرنا الله تعالى بسؤال أهل العلم فقال (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقال مؤدبا لهم (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، وقوله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»، رواه أحمد، فالواجب الأخذ عن العلماء الراسخين في العلم، الذين يعظمون السنة ويظهرونها، ويدعون إليها، ويحرصون على جمع الكلمة ولم الشمل، فطاعتهم سداد، والأخذ عنهم هدى، كما أمر الله تعالى بذلك فقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وأولوا الأمر على التحقيق هم العلماء والأمراء، كما نص على هذا غير واحد من الصحابة وغيرهم، فالعلماء يلون أمر الدين، والأمراء يلون أمر الدنيا، وبهذا تستقيم الأمور، وقد تقدم الحديث: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكنه يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
٭ لزوم الجماعة، وطاعة أولى الأمر: فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ويد الله على الجماعة، ومن شد شذ في النار وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ومن خرج على الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، كما دل على كل هذا أحاديث نبوية صحيحة، وفي الحديث: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة أولياء الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» فهذه الثلاث تنقي القلب، ولا يبقى فيه مع وجودها غش ولا دغل فيه، فيسلم من الفتن.
٭ تقوى الله تعالى، فهي أعظم أسباب الوقاية والنجاة من الفتن، كما قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) وقال: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا)، وقال: (يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) أي: بصيرة وقدرة على التفريق والتمييز بين الحق والباطل، وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة كان أول ما أوصاهم به التقوى، فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة»، والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية، باتباع أوامره، واجتناب نواهيه.