Note: English translation is not 100% accurate
أمثال في القرآن الكريم
23 سبتمبر 2011
المصدر : الأنباء
حال الفريقين
المثال الثالث: عقب سبحانه المثلين السابقين بمثل آخر، يتبين به حال الفريقين، إذ فيه تمثيل لنهاية المن والأذى، وكيف يمحق الله آثار الصدقة المتبوعة بالمن والأذى محقا في وقت لا يملك صاحبها قوة ولا عونا، ولا يستطيع لذلك المحق دفعا ولا منعا، تمثيل لهذه النهاية البائسة في صورة بستان فيه من كل الزروع والثمرات، جاريا الماء في كل أنحائه، فهل يود من كان مالكا لمثل هذا البستان أن يخسر بستانه، خاصة بعد أن تقدمت به السن، وبلغ أرذل العمر، وأخذ العجز منه كل مأخذ، وكان تحت رعايته أولاد ضعاف ونساء عجائز، لا يستطيعون سعيا في الأرض ولا كسبا، فهل يرغب من كانت هذه حاله أن تأتي بستانه عاصفة، تفني أخضره ويابسه، وتذره قاعا صفصفا، أو هل هو راغب أن يحترق بستانه فيصبح نسيا منسيا؟ ويصور لنا هذا المثل أنموذجا من واقع الحياة البشرية، حيث نجد مثل هذا الشيخ الفاني الكبير في ضعف جسمه، ووهن نشاطه، وقد تكون له ذرية لا يعطفون عليه، أو قد يكونون فقراء لا يقدرون على نفعه بشيء، إن لم يكونوا عالة عليه، فكما يتحسر هذا الشيخ على حياته السابقة، كتحسر الذي أنفق ماله منا وأذى، أو كالذي أنفقه بقصد لفت الأنظار والأسماع، لأنه لم يدخر عملا صالحا يشفع له يوم القيامة، إذا انقطعت به أسباب الدنيا.
والتمثيل هنا أيضا فيه تصوير لحال المؤمن المعطاء المنفق ماله ابتغاء وجه الله، فهو لا يقصد أن يذهب بأجر صدقته هباء، بل هو حريص كل الحريص على أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، فلا يمن بها على أحد، ولا يؤذي أحدا بكلمة تجرح مشاعره، وتذهب ببركة صدقته.
كما يدل هذا المثل الأخير على أن الذي يهمل طاعة الله من أجل ملاذ الدنيا، لا يحصل في الآخرة إلا على الحسرة والندامة. فهو يحتاج في آخرته إلى الأعمال الصالحة كحاجة صاحب الأرض إلى ثمارها وخيراتها. ولعل حسرة هذا الشيخ الفاني الذي بلغ من الكبر عتيا تكون أعظم بعدما يئس من الشباب الذي ولى هاربا، فلم يعد لديه قدرة على العمل والعطاء.
(عبداً مملوكاً)
يقول جل علاه (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون ـ النحل: 75).
ابرزت الآية موقفين متعارضين، الاول حال العبد الذي لا يملك من امره شيئا بل هو في موقف المنفعل والمتأثر، والمتلقي لما يلقى عليه من اوامر ونواه، والثاني حال الحر المالك لامره الفاعل وفق هدى ربه والمؤثر فيمن حوله، فالكافر رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا ولم يعمل فيه طاعة لله بل اخذ ينفقه فيما لا يرضي الله سبحانه ويستخدمه فيما لم يشرع المال لاجله، والمؤمن الذي رزقه الله رزقا حسنا يعمل فيه بطاعة الله ويؤدي به شكره ويعرف حق الله فيه، فشتان بين الموقفين، موقف المعرض عما امر الله به والجاحد لما انعم به عليه، وموقف المقبل على امر ربه والعارف لما اسبغ عليه من نعمه فشتان بينهما (هل يستويان مثلا)، لكن اكثر الناس لا يعلمون بل هم عن ذلك غافلون.
الحي
وتمثيل المؤمن بالحي، والكافر بالميت ورد في مواضع عديدة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات ـ فاطر: 22)، وقال سبحانه: (إنك لا تسمع الموتى ـ النمل: 80)، وقال عز وجل: (لينذر من كان حيا ـ يس: 70). ومن هنا كان التعبير عن الكفر، والجهل، والضلال بـ «الظلام» الذي هو العمى والتيه. وسمى القرآن الكريم الكافر بـ «الأعمى» الذي تغطي «الظلمة» بصره وبصيرته، كما قال تعالى: (هل يستوي الأعمى والبصير ـ الأنعام: 50). ولذلك كان الإيمان ضد الكفر، وكان المؤمنون غير الكافرين في كل شيء.