Note: English translation is not 100% accurate
أم شريك أسلمت فعذبها قومها تحت لهيب الشمس
16 ديسمبر 2011
المصدر : الأنباء
كان الطفيل بن عمرو الدوسي شاعرا، من قبيلة دوس، ولأنه شاعر فإنه كان يفهم معنى الكلمة ومغزى الكلمة، وكان يتردد على سوق عكاظ ليسمع الشعراء وهم يتبارون في قول الشعر، كما كان يتردد بين الحين والحين على مكة، حيث يطوف ببيت الله الحرام.
ولكنه ذهب ذات مرة إلى مكة فإذا الوجوه غير الوجوه، وإذا بمكة يخيم عليهما الخوف من دعوة جديدة ينادي بها الأمين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وتساءل عن هذه الدعوة وهذا النبي فقالوا له: ان له قولا كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، والرجل وأخيه، والرجل وزوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك منه، فلا تكلمه، ولا تسمع منه حديثا.
وقرر الرجل ألا يسمع حديث محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما دخل الكعبة وجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حاول أن يضع في أذنه ما يحول بينه وبين سماع المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن تناهى إلى سمعه بعض كلمات من القرآن العظيم، ولأنه شاعر ويعرف معنى الكلمة بهره ما سمع، وتبع النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل داره، ثم حدثه عن تخويف الناس له من سماع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه استمع إليه، وأعجبه ما سمع، ودخل الإسلام قلبه، وأسلم وقال للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل له آية».
ورجع إلى قبيلته دوس وأسلم أبوه، وأسلمت أمه، وأسلمت زوجته.
وتوجه إلى عشيرته يدعوهم إلى الإسلام ولكنهم اصموا آذانهم، وأسلم واحد منهم وهو الصحابي أبوهريرة رضي الله عنه وأم شريك غزية بنت جابر الدوسية، التي تركت عبادة الأوثان، وكانت هذه القبيلة تعبد صنما تسميه «ذا الخلصة» كما أسلم أيضا زوجها أبوالعكر.
ورجع الطفيل بن عمرو الدوسي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذهب أبوالعكر، وأبوهريرة، وبقيت غزية بنت جابر في عشيرتها.
وعندما ذهب الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن قومه لم يدخلوا الإسلام، وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم، سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لهم «اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين» وقال للطفيل: «ارجع إلى قومك، فادعهم وارفق بهم».
ولكن دوسا عندما سمعت بإسلام أم شريك غزية بنت جابر طلبوا منها أن ترجع عن الإسلام بعد أن أخبرتهم بأنها أسلمت وحسن إسلامها، ولكنها رفضت دعوتهم، ورفضت أن تعود للكفر بعد أن عرفت نور الإسلام.
وهي تحكي قصتها معهم بقولها: فجاءني أهل أبي العكر فقالوا: لعلك على دينه؟ قلت: أي والله إني لعلى دينه.
قالوا: لا جرم والله لنفدينك عذابا شديدا فارتحلوا بنا من دارنا وساروا يريدون منزلا، حملوني على جمل ثقال شر ركابهم ذا غلظة يطعموني الخبز بالعسل، ولا يسقوني قطرة ماء حتى اذا انتصف النهار، وسخنت الشمس ونحن قائظون فنزلوا فضربوا أخبيتهم، وتركوني في الشمس حتى ذهب عقلي وسمعي وبصري ففعلوا ذلك بي ثلاثة أيام.
فقالوا لي في اليوم الثالث: اتركي ما أنت عليه قلت: فما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة، أشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد.
قلت: فوالله إني لعلى ذلك، وقد بلغني الجهد إذ وجدت برد دلو على صدري فأخذته فشربت منه نفسا واحدا ثم انتزع مني.
فذهبت أنظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه، ثم دلي إلي ثانية فشربت منه نفسا ثم رفع.
فذهبت زنظر فإذا هو بين السماء والأرض، ثم دلي إلي الثالثة فشربت حتى رويت وأهرقت على رأسي ووجهي وثيابي.
قالت: فخرجوا فنظروا فقالوا: من أين لك هذا يا عدوة الله؟ قلت لهم: إن عدو الله غيري من خالف دينه، وأما قولكم من أين هذا، فمن عند الله، رزق رزقنيه الله.
قالت: فانطلقوا سراعا إلى قربهم وأدواتهم فوجدوها كما هي لم تحل.
تعالوا: نشهد أن ربك هو ربنا، وأن الذي رزقك ما رزقك في هذا الموضع بعد أن فعلنا بك ما فعلنا هو الذي شرع الإسلام، فأسلموا وهاجروا جميعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هاجروا عندما وضح لهم نور الإيمان، واستبان لهم طريق الهدي.
ويحدثنا الأستاذ خالد محمد خالد ـ رحمه الله ـ في كتابه «رجال حول الرسول» عن عودة الطفيل إلى بلاده بعد أن أوصاه الرسول بذلك ليدعو قومه إلى الإسلام ويرسم لنا هذه اللوحة:
ونهض عائدا إلى أرضه وقومه.. وهناك راح يدعوهم إلى الإسلام في أناة ورفق، كما أوصاه الرسول عليه السلام.
وخلال الفترة التي قضاها بين قومه، كان الرسول قد هاجر إلى المدينة، وكانت قد وقعت غزوات «بدر» و«أحد» و«الخندق».
وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في «خيبر» بعد أن فتحها الله على المسلمين إذ موكب حافل ينتظم ثمانين أسرة من «دوس» أقبلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم مهللين مكبرين.
وبين يديه جلسوا يبايعون تباعا.
ولما فرغوا من مشهدهم الحافل وبيعتهم المباركة جلس الطفيل بن عمرو مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل حفاه على الطريق وتذكر يوم قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله أن يرفع كفيه إلى السماء ويقول: «اللهم أهلك دوسا».. فإذا هو يبتهل بدعاء آخر أثار يومئذ عجبه.. ذلك هو: «اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين».
وجاء بهم مسلمين.
وها هم أولاد ثمانين بيتا، وعائلة منهم يشكلون أكثر أهلها، يأخذون مكانهم في الصفوف الطاهرة خلف رسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم.
ويواصل الطفيل رضي الله عنه عمله مع الجماعة المؤمنة.
ويوم فتح مكة، كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهوا وصلفا، بل يحنون جباههم في خشوع وإحلال، شكرا لله الذي أثابهم فتحا قريبا، ونصرا مبينا.
ورأى الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهدم أصنام الكعبة، ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال يداه.
وتذكر الدوسي من فوره له صنما لـ عمرو بن حممة، الذي طالما كان عمرو هذا يصطحبه إليه حين ينزل في ضيافته، فيتخشع بين يديه ويتضرع إليه. الآن حانت الفرصة، ليمحو الطفيل عن نفسه إثم تلك الأيام، هنالك تقدم من الرسول صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يذهب ليحرق صنم عمرو بن حممة، هذا الصنم ذا الكفين، وأذن له النبي عليه السلام ويذهب الطفيل ويوقد النار عليه، وكلما خبت زادها ضراما وهو ينشد: ياذا الكفين لست من عبادكا.. ميلادنا أقدم من ميلادكا.. إني حشوت النار في فؤادكا.
صورة جميلة من صور الإيمان، وما يفعله في النفوس التي تطهرت من رجس الكفر والجهالة.. امرأة تقاوم قومها، وتضع دينها فوق الخوف وفوق البطش وفوق الطغيان، فتمتد إليها يد الله الحانية، ويبرز لها في وقت الشدة ما يعينها علي التمسك بدينها وإيمانها، فإذا منعوا عنها الماء، فالله يسقيها ويقدمه عليها وأمام هذا الإصرار من هذه السيدة المؤمنة، بجانب دعوة «الطفيل» لقومه بالهداية.. يهتدي القوم، ويصبحون قوة تؤازر الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، حتى انطلق الإسلام بغزو القلوب والعقول، ويجد أضواء حضارته إلى كل الأفاق.