Note: English translation is not 100% accurate
أكد أن في النفقة تزكية للمعطي والمعطى والمال الذي أُخرجت منه
الشراح: النفقة أداء شكر نعمة الله عز وجل وفيها تقوية العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأمة
24 فبراير 2012
المصدر : الأنباء

تسد حاجة المعوزين وتساهم في حل مشكلة الفقر وبها يشاع التراحم والتواد في المجتمع
متى وضعت النفقة والصدقة في محلها اندفعت الحاجات والضرورات واستغنى الفقراء
المنفق مبدل بما دفع أضعافاً والممسك عن النفقة متلوفبين الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بقسم الفقه د.يوسف الشراح أن للمال أهمية عظمى في حياة الفرد والمجتمع. وقد حرص الإسلام على المال وتحريمه لإهداره لما فيه من النفع العام. وقد شرع الإسلام الحجر على السفيه ومنعه من التصرف في ماله، وأشار إلى أن المال أمانة الله عند الناس استخلفهم فيه، وقد اباح الله تعالى للمسلم ان يستمتع بالطيبات ونهاه عن الخبائث التي حرمها وذم الطغيان والبغي. وتطرق في حديثه لـ «الإيمان» عن كل ما يحتويه الشرع في الانفاق والقواعد المنظمة له وتحدث عن حقيقة السرف ومتى يكون الإنسان بخيلا ومتى يكون مبذرا.. والى نص الحوار.
مصلحة الأمة
كيف علمنا الإسلام التعامل مع المال؟
٭ الإسلام أرسى قواعد منظمة للإنفاق في أمور الدنيا والآخرة فالمال له اهمية عظمى في حياة الفرد والمجتمع، وقد حرص الاسلام على المال وتحريمه لإهداره لما فيه من النفع العام، فقد شرع الإسلام الحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله لكونه لا يحسن التصرف فيه (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) فالأموال فيها مصلحة عامة للأمة فلا ينبغي اعطاؤها لأصحابها من السفهاء ولأن إهدارها وصرفها صرفا سيئا يؤديان إلى الإخلال بحياة الأمة والإفساد فيها، قال تعالى بعدها: (التي جعل الله لكم قياما) أي التي بها تصلح أموركم فتقومون بها قياما ولم يقل (وارزقوهم منها) لأن الرزق منها يؤدي إلى نفادها عند استمرار الانفاق وفي هذا اشارة إلى التجارة بأموال السفهاء والإنفاق عليهم من الربح وهذا يعود بالنفع عليهم وعلى عامة المسلمين.
ابتلاء
كيف يكون المال أحد الأسباب التي يبتلي بها الله عباده في هذه الحياة؟
٭ المال أمانة الله سبحانه عند الناس استخلفهم فيه لينظر كيف يعملون، كما قال سبحانه (آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) وكون الإنسان قد أصبح مالكا للمال أو لجزء منه فليس له الحق في أن يصرفه كيفما شاء، بل الإنسان مستأمن على هذا المال مبتلى به ولا يجوز له أن يأخذه من غير حله. وقد أباح الله ان يستمتع بالطيبات ونهاه عن الخبائث التي حرمها وذم الطغيان والبغي وما يؤدي إليها وهو الترف.
الإفراط
ما حق الاعتدال الشرعي الذي يجب ان يلتزم به المسلم في انفاقه؟
٭ الانفاق بلا إفراط ولا تفريط في أمور الدنيا ولا في أمور الآخرة، فالذين يفرطون ويبالغون في جانب الانفاق هم مسرفون سواء أكان ذلك في أمور الدنيا، أم كان في أمور الآخرة، فهم بذلك يتجاوزون الحد الشرعي، ففي أمور الآخرة ينفقون أكثر مما حدده الشارع ويريدون بذلك المبالغة فيكون الإفراط، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع ان ثابت بن قيس رضي الله عنه أنفق جذاذ نخله جميعا في يوم واحد غضب عليه غضباً شديداً، وعندما سمع أن رجلا من الأنصار وكان عليه دين قد دبر ستة عبيد له، عندما توفي جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد هذا التصرف وأقرع بدينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة.
استثناءات
ولماذا أنفق أبوبكر الصديق رضي الله عنه ماله كله في سبيل الله مع ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك؟
٭ لكل قاعدة استثناءات فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل من أولئك وهم عموم الصحابة رضي الله عنهم المبالغة في الإنفاق مع ان مصلحته أخروية والمال مال الله تعالى لكنه في المقابل قد قبل من بعض الناس ذلك لعلمه بقوة ايمانه واستقامته على المنهج كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك لما جعل الله في قلب أبي بكر رضي الله عنه من الإيمان والقناعة وانه متكسب عارف بأمور التجارة وانه قطعا سيؤدي حقوق عياله ولا يمكن ان يظلمهم حقا لهم، أما من سواه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم ولا يقبل منهم هذا النوع من المبالغات فالذي يبالغ في السرف يكون من المبذرين وقد ذم الله عز وجل المبذرين وقال فيهم (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا)، كما ذم الله تعالى البخل ونهى عنه، كما نهى عن تجاوز الحد في الإنفاق.
في مكانه الصحيح
وما حقيقة السرف وحده؟
٭ هو تجاوز الحد في أي فعل يفعله الإنسان وان كان ذلك في المال أشهر، والسرف يكون تارة بالقدر وتارة يكون بالكيفية وذلك إذا وضع المال في غير مكانه كالإنفاق في معصية وإن قل، قال تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) وقوله: (وان المسرفين هم أصحاب النار) (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) وغيرها من الآيات.
ضرر عظيم
ولماذا نهى الله تعالى عن الإسراف وشدد في ذمه المسرفين؟
٭ لأن السرف في أمور الدنيا يقتضي من الإنسان أن تكون الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وانه يحبها حبا شديدا فهو يتبع موضاتها ويشتغل بها غاية الاشتغال، فكلما ازدادت ملهياتها، ازداد لهبها ومن ثم ازداد الإنسان ولعا بها وتعلق قلبه بها حتى يؤثرها على الآخرة، وقد قال الله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب).
البخل
وكيف نحكم على الإنسان انه بخيل؟
٭ الذي يبالغ في التقصير في مجال الإنفاق فذلك مقتضى للبخل وأنه لا يؤدي الحقوق الواجبة عليه، فالذي يمنع كرمه ويأكل وحده ويضرب عبده أو خادمه هو من شر الناس، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: «شر الناس المضيق على أهله» قالوا يا رسول الله كيف يكون مضيقا على أهله؟ قال: «الرجل إذا دخل بيته خشعت امرأته وهرب ولده وفر فإذا خرج ضحكت امرأته واستأنس أهل بيته» فالمقترون مقصرون في أداء الحقوق وهم متصفون بصفة البخل التي هي شر الصفات والذي يتصف بها يصاب بالشح ثم لابد ان يبتلى بنقص الإيمان ونقصانه دائما ولذلك قال تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، فالشحيح لا يفلح أبدا، فكان لابد من التوسط في هذا المنهج بين المبالغة في الإنفاق والتقتير والتقصير.
ثلاثة أمور
وما الأمور التي يحصل عند تحقيقها ثواب الانفاق؟
٭ أن يكون الانفاق من طيب المال لا من رديئه وخبيثه، وان يخرج المال طيبة به نفسه، ابتغاء مرضاة الله، وألا يمنّ بالمال ولا يؤذي به المتصدق عليه وهذا أمر يتعلق بالمنفق وبالآخذ.
مراتب النفقة
وما أعظم النفقة التي تجب على الإنسان؟
٭ التي تكون على من تلزم الإنسان نفقته وإعالته ثم الذين يلونهم من قرابته ممن لا تلزمه نفقتهم لأن الانفاق على من تلزمه نفقته فرض وأداء الفرائض أفضل من التطوع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك»، فالمال من الله ورزقه عبده ليصرفه على منافع المسلمين إذا زاد عن الحاجة.
حال الصحة
الإنفاق واحد فلماذا يكون في حال الصحة أفضل منه في حال المرض؟
٭ لأن الإنسان في حال صحته إذا عود نفسه العمل في وجوه البر وهو صحيح ليس عنده من المال إلا القليل يؤمل طول الحياة، ويخشى الفقر، يكون قد قهر نفسه وهواه وشيطانه وعود نفسه مرضاة مولاه وفي ذلك من الخير ما فيه. وقد امتدح الله تعالى إنفاق المال في حال الترف والرفاهية في قوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب).
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟
فقال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان».
نفع عظيم
وما ثمرات النفقة؟
٭ انها تزكي وتنمي ثلاثة أمور: المعطى والمعطي والمال الذي أخرجت منه، أما تزكيتها للمعطي فإنها تطهر أخلاقه من الشح والبخل والأخلاق الرذيلة، فيتصف بأوصاف الكرماء المحسنين الشاكرين وينال ايضا أجره وثوابه وهي تشرح الصدر وتفرح النفس وتدفع عن العبد من البلايا والأسقام شيئا كثيرا، فكم جلبت من نعمة دينية ودنيوية وكم دفعت من نقم ومكاره وأسقام وكم أزالت من عداوات وجلبت مودة وصداقات وكم تسببت في أدعية مستجابة من قلوب صادقة.
أما نفعها للمعطى، فمتى ما وضعت هذه النفقة والصدقة في محلها اندفعت الحاجات والضرورات واستغنى الفقراء وخف فقرهم، وقامت المصالح النافعة العمومية، وهي ايضا تنمي المال المخرج منه فهي تقيه الآفات وتحل فيه البركة في المال كما قال صلى الله عليه وسلم «ما نقصت صدقة من مال» فهي دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام ودليل على حسن الظن بالله والثقة به، وهي أداء شكر نعمة الله عز وجل وسبب لنيل حب الله تعالى وحب الخلق وفيها تقوية العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأمة وبها تحصل المواساة للفقراء والمحتاجين وتسد حاجة المعوزين وتساهم في حل مشكلة الفقر، وبها يشاع التراحم والتواد في المجتمع بدلا من الشحناء والبغضاء، وتزكى النفس وتطهر بإخراج الشح منها ويبارك الله سبحانه في المال وينميه ويقيه من المصائب والبلايا، والنفقة طريق موصل الى الجنة تجعل لصاحبها مكانة اجتماعية وبها تدعم الروابط الأسرية وتقوى الصلات بين أفراد المجتمع، والمنفق يستظل بظل الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله.