Note: English translation is not 100% accurate
أحياء عند ربهم
مصعب بن عمير أول سفراء النبي صلى الله عليه وسلم
27 ابريل 2012
المصدر : الأنباء
إنه مصعب بن عمير، أو مصعب الخير، أو المقرئ، أول مبعوث لرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك الشاب المكي الذي كان يعيش هانئا سعيدا في كنف أمه خناس بنت مالك التي كانت ذات ثروة هائلة وبأس شديد، وكانت حسبما وصفها المؤرخون وكتاب السير «تهاب إلى حد الرهبة» ولم يكن مصعب حين أسلم يحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه، وكان مجرد التفكير في إغضابها مهما كان السبب هو آخر ما يمكن ان يجول في خاطره.
لكن الله غالب على أمره، فقد كان مصعب مع كل ما يتمتع به من صفات الجمال وما يعيش فيه من ترف ونعيم يجمع بين رهافة الحس ورجاحة العقل وقوة الشكيمة، وكان به توق للسمو، ولذلك فعندما ترددت في مكة أخبار الدين الجديد الذي جاء به محمد واللقاءات التي يعقدها مع أصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم على جبل الصفا، تاقت نفسه للقاء الصادق الأمين والتعرف إلى هذه الدعوة الجديدة.
مضى مصعب تسبقه أشواقه النبيلة ويقود خطاه الحافز السامي حتى وصل الى دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث جلس بين يدي نبي الهدى والرحمة ورسول السلام والمحبة، حيث نطق بالشهادتين وحيث صفا قلبه وحيث وضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على صدره ليبعث الطمأنينة في قلبه ويزيل كل آثار القلق والاضطراب، وخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشعر بأنه قد ولد من جديد وفكر، وهو في قمة الفرح بالانتقال من الظلام الى النور، أن يذهب الى أمه ليزف لها الخبر السعيد ولكنه آثر التريث قليلا حتى يتثبت من موقف أمه ويختار الوقت المناسب لإبلاغها ودعوتها الى طريق النور.
غير ان عثمان بن طلحة، وهو أحد كفار مكة، رآه يدلف إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ثم رآه يصلي صلاة الإسلام، فبادر من فوره يشي به الى أمه التي استشاطت غضبا وواجهته بما سمعته فلم ينكر بل قابلها بثبات قلب وسكينة نفس.
ليس هذا فحسب بل دعاها لكي تنضم الى قافلة المؤمنين، لكن القلب القاسي والنفس الأمارة بالسوء والفطرة السيئة حالت دون ان تستجيب الأم لداعي الإيمان وبدلا من ان تؤمن عاقبت ابنها بحبسه في ركن قصي من أركان بيتها وعينت عليه حارسا يتابعه كظله ويحول دون مغادرته.
ولكن مع تزايد الأذى والتعذيب اللذين تعرض لهما المسلمون أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعدد منهم بالهجرة إلى الحبشة، فتحين مصعب فرصة تمكن فيها من اجتياز الحراسة وهاجر مع جعفر بن أبي طالب وزوجه ومجموعة من المسلمين الى الحبشة، حيث حاول كفار مكة استعادتهم فأرسلوا خلفهم عمرو بن العاص الذي حاول إقناع النجاشي بإعادتهم، لكن المناظرة الفكرية التي دارت بين جعفر وعمرو كانت فاصلة في دحض حجج الكفار وبقاء المهاجرين في جوار النجاشي.
العودة من الغربة
وأشاعت قريش وأنصارها من كفار مكة انهم قد دخلوا في الإسلام، ووصل هذا الخبر أو هذه الشائعة إلى الحبشة، فعاد المسلمون ليواصل الكفار تعذيبهم لهم، ويتعرض مصعب من جديد للهجر والعقاب من أمه التي حرمته من الثروة والنعيم الذي كان يرفل فيه، ولكنه استعاض عن هذا النعيم المادي بنعيم الروح، وقد مر مصعب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين نفر من أصحابه فتأمله النبي بابتسامة حب ورضا وقال: «لقد رأيت مصعبا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك هذا كله حبا لله ورسوله».
وإذا كان إسلام مصعب نقلة فارقة في حياته، ثم كانت هجرته إلى الحبشة نقلة أخرى، فقد جاءت نقلة أكبر وبخطوة أوسع، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم مما يتعرض له من أذى كفار مكة لا يكف عن عرض دينه على العرب في كل وقت وخاصة في موسم الحج، وفي بيعة العقبة بايع الرسول صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا وامرأة من أهل يثرب وصار هؤلاء الرهط هم البذرة الأولى للإسلام في المدينة، ورغب النبي صلى الله عليه وسلم في رعاية هذه البذرة وتنميتها بإرسال مبعوث الى المدينة يدعو الناس فيها للإسلام ويعلمهم مبادئه وأركانه وقرر النبي إيفاد مصعب بن عمير.
الداعية الأنموذج
حل مصعب في المدينة ولم يكن بها من المسلمين سوى هذا الرهط المكون من اثني عشر شخصا، وهناك نزل في ضيافة أسعد بن زرارة، وكانا يتجولان في الأسواق ويغشيان المجالس يعرضان الدين الجديد على الناس، وكان مصعب يجلس بينهم يقرأ القرآن ويشرح مبادئ الدين، وبدأ نفر من أهل المدينة ترق قلوبهم لهذه الدعوة فاستثار ذلك بعض كفار المدينة الذين استنفروا عليه أسيد بن حضير سيد بني عبد الأشهل الذي حمل سلاحه وذهب الى أحد مجالس مصعب وهو متأبط شرا.
وما أن رآه المسلمون الجالسون مع مصعب حتى انتابهم الجزع ولكن مصعبا لم يهتز له طرف وبقي ثابتا في مكانه، فبادره أسيد بن حضير قائلا: ما جاء بكما إلى حينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة.
بادره مصعب بكل ثقة وطمأنينة نفس قائلا: أولا تجلس فتستمع؟ فإن رضيت أمرنا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره.
تأمل أسيد هذا الكلام، وكان راجح العقل حكيم الرأي، فرأى ان هذا هو عين العقل والعدل، فقال له: أنصفت، وألقى حربته وجلس يستمع، وانسابت الكلمات من قلب مصعب وفمه لتصل بكل يسر الى قلب أسيد الذي ما كاد مصعب ينتهي من حديثه حتى قال له: ما أحسن هذا القول وأصدقه، وما هي إلا محطات حتى كان أسيد ينطق الشهادتين ويتطهر من الأدران المادية والعقلية معا.
وكان إسلام أسيد بن حضير مفتاح انتشار الإسلام في المدينة، فقد جاء سعد بن معاذ ومن بعده سعد بن عبادة الى مصعب فاستمعا منه ونطقا بشهادة التوحيد وتبعهم جمع غفير من أهل المدينة، ومن ثم ففي موسم الحج التالي كان وفد المدينة لمبايعة الرسول مكونا من سبعين مؤمنا ومؤمنة، وقد سجل القرآن الكريم هذه المبايعة التاريخية في قول الله عز وجل (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) (الفتح: 10).
وتمضي بضعة أعوام ويتلقى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالهجرة الى المدينة ويستقر مصعب في كنف النبي يتعلم منه وينقل ما يعلمه للمسلمين، ولا تهدأ ثائرة مشركي مكة وتستمر محاولاتهم لإطفاء نور الله، ولكن الله متم نوره بحوله وقوته.