Note: English translation is not 100% accurate
حياة فقيه 4 ـ 8
الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله
23 يوليو 2012
المصدر : الأنباء
ليلى الشافعي
٭ منهج الشيخ في التعامل مع المخالفين:
تميز الشيخ رحمه الله بالتزام منهج سلف الامة الصالح في فهم الدين والعمل به، ذلك المنهج السلفي الذي يجمع بين العلم والعمل والاعتدال والرفق. فكان رحمه الله يزن الناس بميزان الحق ويتعامل معهم بالرفق، فهو لا يترك التنبيه الى الخطأ مهما كان، لكنه بأسلوب رفيع رفيق يجعل صاحب الخطأ لا يتمادى في كبريائه وخطئه، والمخالف للحق قسمان:
1 ـ قسم يخالف مخالفة صريحة للكتاب او السنة او الاجماع، فهذا القسم مع خطئه الكبير نجد الشيخ رحمه الله يرد عليه بأسلوب رفيع مع بيان الادلة وبعبارات تنم عن عظيم خلقه كقوله: هداه الله، عفا الله عنه.
2 ـ قسم خالف في مسألة من مسائل الاجتهاد، فهذا لا يرد عليه الشيخ وانما يذكر القول الذي يرى رجحانه ويضعف ادلة القول الآخر ـ ان وجدت ـ ولا يأتي الشيخ بأي عبارة فيها تعنيف او تشنيع، وكان رحمه الله لا يتساهل في مسائل الابتداع والشرك، بل يبين ما هو بدعة، وما هو شرك، لكنه رحمه الله لم يكن متساهلا باطلاق عبارات الشرك او البدعة على كل صغيرة او كبيرة، بل انه لينبه على الصغيرة والكبيرة، ويضع كل شيء موضعه، ففي جواب له لسؤال حول الاستعاذة من الشيطان عقيب التثاؤب، هل هي من البدع، حيث لم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم في مشروعية ذلك وسنيته، فأجاب الشيخ ان المشروع هو وضع اليد على الفم عند التثاؤب او كظمه، ولم ترد الاستعاذة، لكن من استعاذ متذكرا ان التثاؤب من الشيطان فلا يعد فاعلا لبدعة. وكان الشيخ رحمه الله في موقفه من الاتجاهات والجماعات الاسلامية المعاصرة، مثال القائم بالحق الملتزم به عند الاختلاف والفتن، حيث كان ينصح من خالف الحق ويدعو له بالهداية، ويبين بعض الجوانب الايجابية لدى هذه الاتجاهات ويشجعها، ويدعو لتوجيهها الوجهة المناسبة، ويؤكد على تلك الاتجاهات بضرورة سلوك منهج السلف في فهم الدين والعمل به.
قصتان تدلان على حلمه وصبره على الأذى:
لقد حقق سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز بأخلاقه المثل والقدوة للداعية الى الله بما اتسم به ـ رحمه الله ـ من التواضع وسعة الصدر، وأبرز تلك الصفات: الحلم وهدوء النفس مع الناس بصورة عامة والجهال بصورة خاصة، فإنه لم يغضب لنفسه ويترك من يسيء إليه وحسابه على الله. ونذكر هنا طرفا من المواقف التي تبرز حلمه وسعة علمه وشفقته على الناس.
٭ فقد دخل عليه في مجلس القضاء في الدلم رجل كثير السباب، فسب الشيخ وشتمه، والشيخ لا يرد عليه، وعندما سافر الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ الى الحج توفي هذا الرجل، فجهز للصلاة عليه في جامع العذار، وكان إمامه آنذاك الشيخ عبدالعزيز بن عثمان بن هليل، فلما علم انه ذلك الرجل تنحى وامتنع عن الصلاة عليه، وقال لا أصلي على شخص يشتم الشيخ ابن باز، بل صلوا عليه أنتم، فلما عاد الشيخ عبدالعزيز بن باز من الحج وأخبر بموت ذلك الرجل ترحم عليه، وعندما علم برفض الشيخ ابن هليل الصلاة عليه، قال: انه مخطئ في ذلك، ثم قال: دلوني على قبره، فصلى عليه وترحم عليه ودعا له.
٭ ودخل عليه رجل آخر عنده قضية في الصباح الباكر، والشيخ يدرس الطلاب في الجامع، فوقف هذا الرجل عليهم وأخذ ينادي بصوت مرتفع قائلا: قم افصل بين الناس، قم افصل بين الناس واترك القراءة، فلم يزد الشيخ على ان قال: قم يا عبدالله بن رشيد وأخبره يأتينا عندما نجلس للقضاء بعد الدرس.
«انظر كتاب ابن باز في الدلم قاضيا ومعلما ـ لعبدالعزيز البراك ص 33.
٭ بيان جمعية إحياء التراث الإسلامي:
حول وفاة سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء
الحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون
يقول تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء».
يوم حزين يخرج على الأمة الإسلامية، تفقد فيه رجلا من بقية السلف الصالح، وإماما من الأئمة الهادين المهديين، ونموذجا ينبئك عن مسيرة أصحاب سيد المرسلين. إنه اليوم الذي توفي فيه إمام الأئمة شيخ الإسلام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ـ رحمه الله ـ وجعل الفردوس الأعلى مثواه. ومما يجعل هذا اليوم من أيام الحزن أن يرحل فيه هذا الإمام وليس للأمة عنه غنى، كيف وقد جمع الله فيه أمة في رجل، يهدي بهدى الله، وينشر في الأنام سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرفع لواء التوحيد ويسعى لجميع المسلمين وقد وعاهم قلبه، وحمل همومهم صدره وأهمه أمرهم، فهو يهتم بأمر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لم يعجز عن حل معضلاتهم، والسعي في حاجاتهم، والشفاعة لوضيعهم وشريفهم، والاجتهاد في تعليم جاهلهم، ومواساة فقيرهم.
لقد شرف الله منزلته وأعلى مكانته وتربع على عرش القلوب بغير دينار ولا درهم، والتف الناس عليه رجاء كلمة من كلمات الحكمة، أو دعوة من دعواته الصالحة، او حضور مجلس تحفة الملائكة ويغفر الله في مثله لمن حضره وإن لم يكن من أهله، ومع كل ما كان فيه من الشرف والمكانة كان الفقراء والمساكين وذوو الحاجات هم أكثر جلسائه، بل وكانت الجارية تحبسه في حاجاتها، وكان أهل العلم والرأي والحكمة والدعوة الى الله في العالم أجمع قد جعلوه إمامهم وقدوتهم.. ونحن في جمعية إحياء التراث الإسلامي إذ فجعنا في فقد إمام الدعوة السلفية سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز ـ يرحمه الله ـ فإننا ننعاه إلى القلوب التي اجتمعت على محبته والمفجوعة اليوم بفقده، فإننا نعبر بهذه الكلمات عن بعض ما نكنه له من الفضل والجميل، رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، وألحقه بالصالحين من عباده. وإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منا.
قالوا في الشيخ ابن باز
٭ الشيخ ابن عثيمين عضو هيئة كبار العلماء:
يحتل فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عضو هيئة كبار العلماء، وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، يحتل مكانة كبيرة في نفوس طلابه ومحبيه لما عرف عن الشيخ الجليل من تقى وصلاح وعلم وفضل.
وفي الحوار الذي أجرته صحيفة سعودية معه يقول الشيخ ابن عثيمين:
إن العلماء يجدون احتراما بالغا من ولاة الأمور لا نعلم وجوده في أي بلد إسلامي اليوم، وهذه نعمة من نعم الله عليهم وعلى العلماء.
وفي موقع آخر من الحوار قال ابن عثيمين: إن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ لا يحتاج إلى تعريف، لأن أفعاله تنطق بما قدم، مشيرا الى انه ـ غفر الله له ـ من أعلم الناس بالحديث والتوحيد والفقه.
واستعرض الشيخ الجليل بداية علاقته بسماحة مفتي عام المملكة ورئيس هيئة كبار العلماء ـ رحمه الله ـ وقال: كانت لي معه دروس خاصة منذ نحو 48 عاما وقرأت عليه رسالة تسمى «إقناع النفوس بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس».
وأبدى الشيخ ابن عثيمين تأثره بوفاة الشيخ ابن باز، وقال: وقع موته كان شديدا، ولكن البقاء لله تعالى وينبغي ان نتخذ من ذلك عبرة، بحيث يغتنم المسلم وقته للحرص على طلب العلم والصبر على مشقته، ونشره بين الأمة، لاسيما في هذا الوقت الذي كثرت فيه الفتنة العقيدية والفكرية والجسدية. أما عن علاقته بسماحة الفقيد الراحل ـ رحمه الله ـ فقال: نشأت علاقتي بالشيخ ابن باز عندما بدأت الدراسة في المعهد العلمي بالرياض عام 1372 هـ او 1373 هـ، وكانت لي معه ـ رحمه الله ـ دروس خاصة، حيث كنت آتيه بعد صلاة الفجر وأدرس عليه، ومن جملة ما درست عليه مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكما اننا في بعض الأحيان كنا نخرج بعد العصر لنخيل بالرياض يسمى «نخيل الريس» وقرأت عليه رسالة تسمى «إقناع النفوس بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس» وهذا كان عام 1373 هـ وكانت بيني وبينه مكاتبات ـ رحمه الله.