Note: English translation is not 100% accurate
مع الصحابة
سالم بن معقل العبد الذي صار إماماً للمهاجرين
7 سبتمبر 2012
المصدر : الأنباء
هو سالم بن معقل، كان عبدا رقيقا اسلم فرفع الاسلام قدره ومنزلته حتى تبناه واحد من اشراف قريش في الجاهلية والاسلام وهو ابوحذيفة بن عتبة، ولما ابطل الاسلام عادة التبني صار هذا الصحابي الجليل مولى واخا لمن تبناه في الجاهلية، وعرف فيما بعد: سالم مولى ابي حذيفة، وسابقته الى الاسلام واهتمامه بجانب العبادات والاخلاق والفضائل، كان ذا منزلة عالية بين المؤمنين واضحت اخوة الدين اقوى من اخوة النسب في كثير من الاحايين، لقد اذاب الاسلام ما بين المسلمين من فوارق تقوم على اساس الجنس او اللون او المفاخر التي لم تقسم على اساس الدين، وحديث القرآن والسنة عن الاخوة الاسلامية لايزال بين المتدينين والعقلاء الى يوم الدين، ورأينا كيف عامل الانصار اخوانهم المهاجرين، وكيف تعفف المهاجرون عما قدم اليهم في ساعة العسرة الا في اضيق الحدود.
لقد استعاض سالم ونظراؤه عن اجتثاث الاصل الاجتماعي بطاعته وتقواه، بل كان الشرف والحسب الحقيقي مبنيا على اساس التقوى لقول الحق (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم..) ولقول المصطفى صلى الله عليه وسلم «ليس لعربي على اعجمي فضل الا بالتقوى» و«ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل الا بالتقوى».
وبلغ من رفعة الاسلام له ان زوّجه ابو حذيفة من فاطمة بنت الوليد بن عتبة، الامر الذي كان يأنف منه الجاهليون بل يرفضونه قديما، وصار اماما للمهاجرين ـ من مكة الى المدينة ـ مدة صلاتهم في مسجد قباء، وكان حجة في كتاب الله حتى امر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين ان يتعلموا منه فقال «خذوا القرآن من اربعة: عبدالله بن مسعود، وسالم مولى ابي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل»، بل اثنى عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال «الحمد لله الذي جعل في امتي مثلك» واثنى عيه اخوانه المؤمنون فقالوا «سالم من الصالحين».
وكان رضي الله عنه لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يحسب لغير الله حسابا، فقد خرج ضمن سرية من السرايا وعلى رأسها خالد بن الوليد، وقد أوصاهم سيد القادة صلى الله عليه وسلم بأنه قد ارسلهم دعاة هداة لا غزاة مقاتلين مغيرين، ولكنه قد حدث في السرية امور جديدة حملت خالدا رضي الله عنه على ان يريق بعض الدماء مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه الى ربه معتذرا «اللهم اني اعتذر اليك مما صنع خالد»، وكان بسببها ان قال الفاروق رضي الله عنه فيه «ان في سيف خالد رهقا»، وما ان رأى سالم ما حدث حتى عدد عليه اخطاءه منكرا عليه ذلك، ولم ينظر الى ماضيهما الذي كان يعد خالدا من اشراف العرب وسالما من عبيدهم، فقد سوى بينهما الاسلام والسبق للمتقين، وكما قال الشاعر:
أبي الاسلام لا اب لي سواه
اذا افتخروا بقيس او تميم
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم الخبر سأل قائلا «هل انكر عليه احد؟» وسر النبي صلى الله عليه وسلم حينما أُخبر «نعم راجعه سالم وعارضه».
ان الرسول صلى الله عليه وسلم غرس في قلوب اصحابه ان يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر وألا يخشوا احدا الا الله، وسار سالم على الدرب ـ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وما ان سمع بحرب المرتدين الا كان سالم وأبوحذيفة في طليعة المجاهدين الصابرين بل عاهد كل منهما اخاه على الشهادة في سبيل الله واندفعا نحو الموت غير مكترثين للاهوال، فكان ابوحذيفة ينادي «يأهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم» وكان سالم يصيح «بئس حامل القرآن انا لو هوجم المسلمون من قبلي»، وكان يغالب الاهوال والاخطار حتى بترت يمينه التي حمل بها راية المهاجرين بعد ان رزق الشهادة حاملها زيد بن الخطاب، ولم يسمح للراية بالهويّ بل التقطها بيسراه، وهو يردد قول الله تعالى (وكأيّن من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين)، وأحاط به كثيرون من المرتدين حتى استراح بدنه على الارض، ولكن روحه لم تزل مرتبطة بالبدن الطاهر حتى قرت عينه بانتصار التوحيد وحماته وسقوط الشرك وحزبه واندكاك معالمه الى الابد.
ومن طريف ما نقل: ان المسلمين وهم يتفقدون شهداءهم وجدوا سالما في النزع الاخير فسألهم: «ما فعل ابوحذيفة؟»، قالوا: استشهد، قال: «فأضجعوني الى جواره» قالوا «انه الى جوارك يا سالم، لقد استشهد في نفس المكان» فسرت في وجهه ابتسامته العريضة لانه قد تحقق لهما ما كانا يرجوان، اما اللسان فقد امتنع عن الكلام مع رفاقه المؤمنين ـ في الدنيا ـ حتى يعود الحديث بينهم في جنات النعيم.