Note: English translation is not 100% accurate
الرجال مواقف
عبدالله بن المبارك جاهد بنفسه في سبيل الله
4 أغسطس 2013
المصدر : الأنباء
في مدينة مرو سنة 118هـ ولد عبدالله بن المبارك ونشأ بين العلماء نشأة صالحة، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم اللغة العربية، وحفظ أحاديث كثيرة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرس الفقه، وأنعم الله عليه بذاكرة قوية منذ صغره، فقد كان سريع الحفظ، لا ينسى ما يحفظه أبدا، يحكي أحد أقربائه واسمه صخر بن المبارك عن ذلك فيقول: كنا غلمانا في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك ورجل يخطب، فأطال خطبته، فلما انتهى قال لي ابن المبارك: قد حفظتها، فسمعه رجل من القوم، فقال: هاتها، أسمعنا ان كنت حفظتها كما تدعي، فأعادها عليه ابن المبارك وقد حفظها ولم يخطئ في لفظ منها.
وفي الثالثة والعشرين من عمره رحل عبدالله إلى بلاد الإسلام الواسعة طلبا للعلم، فسافر إلى العراق والحجاز وغيرهما، والتقى بعدد كبير من علماء عصره فأخذ عنهم الحديث والفقه، فالتقى بالإمام مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة النعمان، وكان عبدالله كلما ازداد علما، ازداد خوفا من الله وزهدا في الدنيا، وكان إذا قرأ كتابا من كتب الوعظ يذكره بالآخرة وبالجنة والنار، وبالوقوف بين يدي الله للحساب، بكى بكاء شديدا، واقشعر جسمه، وارتعدت فرائصه، ولا يكاد يتكلم أحد معه.
وكان عبدالله يكسب من تجارته مالا كثيرا، وها هو ذا يعطينا درسا بليغا في السلوك الصحيح للمسلم، وذلك حين أتاه أحد أصدقائه واسمه أبو علي وهو يظن أن الزهد والتجارة لا يجتمعان قائلا لعبدالله: أنت تأمرنا بالزهد، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذا؟ فقال له عبدالله بن المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، وكان عبدالله بن المبارك لا يبخل على أحد بماله، بل كان كريما سخيا، ينفق على الفقراء والمساكين في كل سنة مائة ألف درهم.
وكان ينفق على طلاب العلم بسخاء وجود، حتى عوتب في ذلك فقال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث، فأحسنوا طلبه لحاجة الناس إليهم، احتاجوا فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم. وكان ابن المبارك يحب مكة، ويكثر من الخروج إليها للحج والزيارة، وكان كلما خرج من مكة قال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني
وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقي ليعدله
ما ليس يبقي فلا والله ما اتزنا
وكان عبدالله بن المبارك يجاهد في سبيل الله بسيفه، حتى ان كثيرا ممن أتوا ليستمعوا إلى علمه، كانوا يذهبون إليه فيجدونه في الغزو، وكان يرى أن الجهاد فريضة يجب أن يؤديها المسلمون كما أداها الرسول صلى الله عليه وسلم ويروى عنه أنه أرسل إلى صاحبه الفضيل بن عياض يحثه على قتال الأعداء، ويدعوه إلى ترك البكاء عند البيت الحرام قائلا له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
رهج السنابك والغبار الأطيب
وأحب عبدالله بن المبارك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما وكان لا يجيب أحدا يسأله عن حديث منها وهو يمشي، ويقول للسائل: «ليس هذا من توقير العلم»، وكان حفاظ الحديث في الكوفة إذا اختلفوا حول حديث قالوا: مروا بنا إلى هذا الطبيب نسأله (يقصدون عبدالله بن المبارك).
ولقد اجتمع نفر من أصحابه يوما وقالوا: تعالوا نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والشعر والفصاحة والزهد والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والفروسية والشجاعة والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه.. حتى أجهدهم العد.
ولقد قدر الناس عبدالله بن المبارك وزادت مهابته لديهم على مهابة هارون الرشيد، روي أن هارون الرشيد قدم ذات يوم إلى «الرقة» فوجد الناس يجرون خلف عبدالله بن المبارك لينظروا إليه، ويسلموا عليه، فنظرت زوجة هارون الرشيد من شباك قصرها، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من خراسان قدم «الرقة» يقال له عبدالله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بالشرطة والأعوان.
وفي يوم من أيام شهر رمضان سنة 181هـ توفي عبدالله بن المبارك وهو راجع من الغزو، وكان عمره ثلاثة وستين عاما، ويقال: ان الرشيد لما بلغه موت عبدالله، قال: مات اليوم سيد العلماء.