Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
التعاون الإسلامي والصراع الحضاري.. بقلم: د. عجيل النشمي
5 ديسمبر 2014
المصدر : الأنباء
هذا الموضوع على غاية من الأهمية، لأنه يعني الواقع الاسلامي والعالمي بكل مضامينه الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، انه يعني التواصل مع الواقع الحضاري بكل أبعاده العالمية، وما بلغته وسائل الاتصال من تقنيات متطورة، ومبتكرات مذهلة.
ان الاسلام قد حرر مفهوم التعاون من نطاق الجماعة والمجتمع والدولة، وقرره تعاونا لا تحده جنسية أو حدود، فهو تعاون على مستوى الإنسانية: المسلم فيه وغير المسلم سواء. قال تعالى: (يأيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم ان الله عليم خبيرـ الحجرات)، فالخطاب للناس أجمعين، لا تمييز فيه بين جنسية أو جنس أو لون، فالخالق واحد، جعل الناس شعوبا وقبائل ودولا، وأغنياء وفقراء، وأقوياء وضعفاء، وأذكياء وخاملين، ليتبادل الناس المصالح، ويخدم بعضهم بعضا، وبعد هذا التعاون والتعارف تتفاوت مكانة الناس عند الله تعالى.
والتعارف أبلغ تعبير للتقارب والتعاون، فلا يمكن ان يتحقق التعاون الايجابي حتى يتعارف المتعاونون فيما بينهم، ويعلم كل حاجة الآخر وإمكاناته، وتتحد بَعدُ الحقوق والالتزامات، ويثمر التعاون للأطراف جميعا، مع اختلاف أقدارهم وامكاناتهم، فكل خلَقَه الله، ويسره لما خلق له، ولذا قال تعالى (أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون - الزخرف)، ولفظ التسخير بليغ في الدلالة على التمازج والتقارب والخدمات المباشرة بين الناس أجمعين.
واما التعاون في دائرة المسلمين فهو أصل في الدين ثابت، ان التعاون وشيجة الإسلام ولحمته وسداه.
ولقد قامت حضارة الإسلام على مبدأ التسامح والتعاون مع الآخرين، وكانت حضارة امتزاج وتكامل وتعاون، لا حضارة صراع وتنافر وحقد، وقد شاع بين الغربيين اليوم مصطلح صراع الحضارات، وبنت دولهم على هذا الصراع خططهم، لتحقيق المصالح، ولو كان على حساب الخلق والقيم، هذا وصف حضارتهم، وهو وصف صحيح مطابق للواقع لكن حضارة الإسلام كانت شيئا آخر.
ان الذين يقودون حضارة اليوم يرفعون راية الصراع ضد كل ثابت ومتحرك لا ينسجم مع تطلعاتهم: أفكارا، وتصورا، وتبعية، واقتداء.
وهذا منهج الحضارات التي سادت ثم بادت، حضارة القوة والسلاطة، ولابد ان تبيد أي حضارة لا تجعل الدين محورا أو ركيزة من بين أركانها، وذلك مفهومهم عن الحضارة من قديم، فيعرف «ول ديورانت» الحضارة بأنها «نظام اجتماعي، يعين الإنسان على الزيادة من انتاجه الثقافي، وهي تتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون»، وهذا النظر التأصيلي لحضارة الغرب يكشف عن الحقيقة في النظر والواقع، فلا مكان للدين في هذه الحضارة، بل هي نقيض الدين، لا تجتمع معه في حال بل قامت على أشلائه عندهم انها علمانية وكفر، حتى زعموا انهم مستغنون عن الله ـ عز وجل ـ وهذا سر ضعفها لا قوتها، ونقطة انحلالها واضمحلالها، لا استمرارها واستقرارها، ومظاهر ذلك معلومة مشهودة من الانحطاط في الأخلاق الى أذلها، وهذه هي ثقافة حضارتهم، ويصور ذلك د.روجي غارودي- أحد عمال الحضارة وخبرائها- فيقول: خمسة قرون من الهيمنة المطلقة لم تنته بهذه الثقافة الى ما استهدفته مسلماتها تلك من نتاج، وإنما الى تلويث للطبيعة، واستنفاد لمواردها، وقدرة تقنية على اتلافها، وانغمار في مستنقعات السوق التي فاقمت العنف، وسعرت الحروب، وألهبت نيران المزاحمة التي لم تفتأ ان جزأت المجتمع الواحد الى فئات متناهشة، وعمقت الهوة بين شمال مستقطب للثروات المتفاحشة، وجنوب يتضور جوعا ومسغبة.
اما زعم الاستغناء عن الله سبحانه في تدبير الكون، فقد انحدر بهذه الثقافة (الحضارة) الى كفرانها بالقيم المطلقة، واعتبارها الإنسان والنزعة القومية مركزا للأشياء ومقياسا لها، فانقضت ركائز الحياة، وخيمت البلبلة، ومزقت حراب العنف أحشاء المدن، ولجم بحر الأهوال، وتوازنات الرعب، واحتدم سُعار الايرادات والرغبات على صعيد الأفراد والمجتمعات.
ثم يقول غارودي: ومما لا مراء فيه ان هذه الحداثة المزعومة التي انطلقت ـ منذئذ ـ أبواقها للترويج لها، إنما هي دين، غير انه لا يجرؤ على المجاهرة باسمه، وركنه الأوحد إنما هي «أحادية السوق» تلك البدعة التي انفرد الغرب باختلاقها في مطلع «النهضة» والذي اهتبل لها الاتحاد السوفييتي، واستبدت الولايات المتحدة بشؤون العالم الثالث وأوروبا، ومما لا شك فيه: انه ما من مسلمة من مسلمات هذه «الحداثة» المزعومة الا وهي مجرد أكذوبة من الأكاذيب، في مقدمتها: أكذوبة الديموقراطية، والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات، واما الاكذوبة الثانية: فهي المتعلقة بالمساواة بين الناس في الحقوق.
ان الإسلام لن يواجه صراع الحضارة بمثله، فما ذاك من منهجه، ولا كان، بل سيترك هذه الحضارة تصرع نفسها، انها سنة الله في كونه وخلقه، لكن الإسلام معني بالبديل الوارث، ولا ريب ان واقع المسلمين اليوم، ليس حجة على الإسلام فإنهم لا يعبرون عن حضارة الإسلام في قليل أو كثير، فمن رام الحضارة كان في الصادرة، لا في السوقة، ولا تواجه حضارة اليوم بالأمجاد الماضيات السالفات، ولا بشعار «أولئك آبائي»، وإنما تواجه الحضارة بأن يكون المسلمون مسلمين، يعتزون بدينهم ويجعلونه حياتهم، ومأكلهم ومشربهم، حين يعبدون الله باقتصادهم وقانونهم وسائر شؤون حياتهم، فإنهم حينئذ يتأهلون لتقديم البديل عن الصراع، ويقدمون حضارة التقدم والمادة ممزوجا بالدين وغذاء الروح اللذين مسخا عند هؤلاء المتحضرين زعما.
انها مظاهر، لكنها خلب، وظواهر تبهر، لكنها خربة الداخل، مظلمة كما يقول الشيخ يوسف القرضاوي: «هي أشبه بقبور العظماء مشيدة مزخرفة، وليس فيها إلا عظام نخرة، ومن ثم رأينا الناس الذين يعيشون تحت سلطان هذه الحضارة يشكون من القلق والاكتئاب، والخوف والأسى والغربة النفسية والشعور بالضياع وتفاهة الحياة».
ولسنا هنا بصدد ذكر المآسي والآثار النفسية والأخلاقية وغيرها من مخلفات هذه الحضارة، فذلك مكانه مطولات الكتب المبينة بشهادات المختصين المتواترة فشل الحضارة في ان تحقق للإنسان السعادة واليقين، لا حاضرا ولا مستقبلا.