Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
خواطر في الحضارة والفقه (حضارة التسامح).. بقلم: د. عجيل النشمي
6 مارس 2015
المصدر : الأنباء

د. عجيل النشمي
إن الغربيين الذين اطلعوا على تاريخنا، وكتبوا جزءا كبيرا منه، هم شهود على الحضارات.
وأقرب الحضارات عهدا موثقا، وتاريخا مشاهدا مدونا، هو تاريخ الحضارة الإسلامية. وربما كانت تقارير أهل الحضارة الأوروبية من العلماء المحايدين علميا ـ الذين لم تستول عليهم العصبيات ـ أقدر على تقديم الصورة الصحيحة لتاريخ حضارة الإسلام. ومن خلال تقاريرهم وتحليلاتهم نستل الحقائق، ونقرر الأصول التاريخية لحضارة الإسلام في مبادئها وتطبيقاتها الفريدة في التاريخ.
يقول د. غوستاف لوبون: «إن الأمم التي فاقت العرب ـ أي المسلمين ـ تمدنا قليلة إلى الغاية، إن ما حققه العرب ـ في وقت قصير ـ من المبتكرات العظيمة لم تحققه أمة، وإن العرب أقاموا دينا من أقوى الأديان التي سادت العالم. ولايزال الناس يخضعون لها، وإنهم أنشأوا دولة تُعد من أعظم الدول التي عرفها التاريخ، وإنهم مدنوا أوروبا: ثقافة وأخلاقا، وإن الأمم التي سمت سمو العرب، وهبطت هبوطهم نادرة، وإنه لم يظهر كالعرب شعب يصلح ليكون مثالا بارزا لتأثير العوامل التي تهيمن على قيام الدول وعظمتها وانحطاطها».
وإن من أبرز سمات حضارتنا: إنسانيتها، وعدلها، ومساواتها بين الناس، وحماية حرياتهم، وهذه سمات لم تملكها حضارة سلفت، بل لم تتحقق في حضارة اليوم على إطلاقها، وشابها من الكدر ما لا يخفى على متابع ومعايش لأحداث الدول وعلاقاتها.
وسنعرض فيما يلي مواضع مختصرة غرضها التدليل والإشارة، لا التفصيل والشرح، مع الاعتماد على أقوال غير المسلمين من علماء الغرب المنصفين منهم لحضارة الإسلام، حضارة العقل والعلم والإنسانية.
التسامح مع الطوائف وخاصة المسيحيين واليهود
يقول «ول ديورانت»: «ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون، واليهود، والصابئون، يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم».
ويقول الأستاذ «برناردلويس»: «ولقد نجح الإسلام، حيث فشلت المسيحية في مزج الإيمان العميق بالتسامح الديني، الذي لم يشمل ـ فقط ـ غير المسلمين من الأديان الأخرى، بل شمل هذا التسامح حتى الهراطقة والكفار».
التسامح في حرية العبادة:
لقد كان أبرز صفات المسلمين ـ فاتحين وشعوبا ـ ترك الطوائف وما يدينون، بل حمايتهم أفرادا ومعابد، وهذا ما لا تطيقه طائفة تجاه أخرى سوى الإسلام، وقد كان ذلك من أوثق وأقوى لبنات الحضارة الإسلامية. إنها حضارة تحترم العبادة، تحترم عقل الإنسان وفكره وعقيدته.
ففي بناء الكنائس يقول «آدم متز»: لم تكن الدولة الساسانية من قبل تسير على خطة ثابتة في ذلك، فكانت تسمح ببنائها أحيانا، على حين ان القانون الروماني في العهد الأخير كان يحرم على اليهود ان ينشئوا كنائس جديدة لهم، ولا يسمح لهم إلا بإصلاح ما تهدم منها.
اما في الإسلام فنجد سياسة الدولة تجمع في أوقات متتابعة بين تسامح الفرس وتعصب الرومان، فكان يسمح للنصارى أحيانا ببناء كنائس جديدة، وأحيانا كانوا يمنعون حتى من إصلاح الكنائس القديمة، ففيما ـ بين عام 169، 171هـ و785 و787م ـ هدم علي بن سليمان والي مصر من قبل الرشيد الكنائس المحدثة بمصر، وبذل له خمسين ألف دينار ليترك الهدم، فامتنع ثم جاء بعده والٍ آخر، فأذن للنصارى في بنيان الكنائس التي هدمها علي بن سليمان، فبنيت كلها بمشورة الليث بن سعد، وعبدالله بن لهيعة، وقالا: هو من عمارة البلاد، واحتجا بأن عامة الكنائس التي بمصر لم تبن الا في الإسلام في زمن الصحابة التابعين. وفي عام 300هـ ـ 913م ثار المسلمون فهدموا كنيسة بناها النصارى في «تنيس» فأعان السلطان النصارى حتى بنوا الكنيسة، وفي سنة 326خـ ـ 938م انهدمت قطعة من كنيسة أبي شنودة بمصر، فبذل النصارى للأخشيد مالا ليطلق عمارتها، فقال: خذوا فتوى الفقهاء، فأما ابن الحداد فأفتى بألا تعمر، وأفتى بذلك أصحاب مالك، وأفتى محمد بن علي بأن لهم ان يرموها ويعمروها، وفي سنة 200هـ ـ 815م أراد الخليفة المأمون ان يصدر كتابا لأهل الذمة يضمن لهم حرية الاعتقاد وحرية تدبير كنائسهم، بحيث يكون لكل فريق منهم، مهما كانت عقيدتهم، ولو كانوا عشر أنفس ان يختاروا بطريركهم، ويعترف له بذلك، لكن رؤساء الكنائس هاجوا، وأحدثوا شغبا، فعدل المأمون عن إصدار الكتاب.
وقد سمح للأقباط بان يستمروا على اختيار بطريركهم، ولم يمنع النصارى من إنشاء الكنائس في المدن الإسلامية.
ولم تكن الحكومة الإسلامية تتدخل في الشعائر الدينية لأهل الذمة، بل كان يبلغ من بعض الخلفاء ان يحضر مواكبهم، وأعيادهم، ويأمر بصيانتها، وكانت الحكومة تأمر بعمل مواكب «يسير فيها النصارى وعلى رأسهم الأسقف، واليهود ومعهم النافخون في الأبواق»، وكذلك ازدهرت الأديرة في هدوء.
ولم يكن عمرو بن العاص في مصر أقل سخاء من عمر بن الخطاب في القدس حين عامل النصارى برفق وإنصاف، فقد شمل الديانة النصرانية بعطفه وحمايته، بل ان من مظاهر التسامح الديني: ان كانت المساجد تجاور الكنائس في ظل حضارتنا الخالدة، وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعايتهم في كل شؤونهم الدينية والكنسية، لا تتدخل الدولة في ذلك، بل ان الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم، وتنصف بعضهم من بعض، فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم، ويسلبون كنائسهم، حتى اذا فتحت مصر رد المسلمون الى الأقباط كنائسهم، وأنصفوهم، وتطاول الأقباط بعد ذلك على الملكانيين انتقاما مما فعلوه بهم قبل الفتح العربي، فشكوا ذلك الى هارون الرشيد، فأمر باسترداد الكنائس التي استولى عليها القبط بمصر وردها الى الملكانيين بعد ان راجعه في ذلك بطريرك الملكانيين.