د.عجيل النشمي
ان المناداة بتطبيق الشريعة الاسلامية لا تعني بالضرورة إلغاء القوانين المعمول بها كلية وفجأة، واستبدال الاحكام الشرعية بها، وهذا الذي يتخوف منه بعض الناس لا محل له في التصور الصحيح لتطبيق الشريعة، فإن مما لا شك فيه ان غيبة الدولة الاسلامية او الحكم الشرعي فترة طويلة من الزمان شغل فيها القانون الوضعي واقع الناس واخلاقهم وتصوراتهم، وكادت صلتهم بأحكام الشريعة تنقطع، بل انقطعت فعلا في كثير من المجالات الاخلاقية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية، وتوثقت اواصر هذا كله مع القانون، وألف الناس والحكومات هذه النظم، حتى اصبح في حسهم واعتقادهم انه لا غنى ولا بديل لهم عنها.
وهذا واقع وحقيقة، لا يمكن لمن يرسم طريقا لعودة الاحكام الشرعية للتطبيق ان يتجاهلها، ويسلك طريقا معاكسا ومصادما لها منذ اول صفحة له، ومع اول تغيير، وان من يفعل ذلك او يتصوره فإنما يحكم على مشروع الشريعة بالفشل، ولو حدث ذلك فإن عوام الناس بل كثير من مثقفيهم سينسبون الفشل للتشريع ذاته ـ معاذ الله ـ لا الى اسلوب تطبيق التشريع، وهذا في حد ذاته انتكاسة لمشروع التدرج في تطبيق احكام الشريعة الاسلامية.
ان تغيير نظام المجتمع من نظم بشرية الى نظام إلهي هو بمنزلة تغيير شمولي، لا جزئي، انها ثورة شاملة على النظم، والتقاليد، والاعراف، والاخلاق، ومن المستحيل ان يتم ذلك بمجرد قرار سياسي بتطبيق الشريعة، لذلك فإنه من السهل القيام بانقلاب سياسي في المجتمعات، فتتغير وجوه السلطة في يوم وليلة، ولكن ذلك لا يعني حتما تغيير نظم واخلاق المجتمع بذات السرعة، بل يحتاج ذلك الى سنوات عديدة، وليس بالضرورة ـ ايضا ـ ان تكتمل عملية التغيير بالنجاح في بعض هذه السنوات العديدة.
ان تطبيق نظام جديد على واقع ما مثله مثل تربية الطفل، يحتاج الى وقت وجهد ومثابرة ورعاية وتوجيه بتدريج يتناسب وسن الطفل، حتى اذا ما اكتمل نموه عقليا وجسديا وفكريا امكن التزامه بما يطلب منه او يفرض عليه.