يقول الله عز وجل في سورة البقرة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)، والآية وسام شرف للأمة الاسلامية، جعلها الله بحق خير أمة أخرجت للناس وأن تكون أمة وسطا مما أُهلت له وقامت به، دينها بين الاديان دين وسط جاء بمنهج متكامل يكفل لأهله حياة كريمة، حين يلتزمون بتعاليمه وآدابه المنظمة للحياة، وما يقرره هذا الدين من مبادئ إنسانية سامية مهذبة ومقومة.
فلا عجب إذن ان كان دينا وسطا، كما كان المنتسبون اليه أمة وسطا شرفها ربها بأن جعل أفرادها شهداء على الناس بمنهجهم الالهي، ونظامهم القويم الذي وضعه لهم شرع الله، هذا النظام الذي لا يعترف بالعنت أو الجمود، يترفع عن الابهام والاساطير والاسرار والكهنوت، به سلك المسلمون دروب خيرهم، وعرفوا به طريقهم الهادي، هذا المنهج الذي ساير حكم العقول الناضجة والفطر المعتدلة.
إذن فإن شهادة المسلمين على الناس تعني توجيههم الى الخير الذي ضاع منهم، وإرشادهم الى طريق السداد الذي ضلوا عنه.
وكانت هذه الشهادة الالهية المشرفة تزكية إلهية لهم تدفع المسلمين الى الاعتزاز بدينهم وشعورهم بسمو منزلتهم وريادتهم للأمم، كما كانت شهادة رسولهم عليهم صمام أمن يمنعهم من الانزلاق في مهاوي الغرور والتباهي، وكانت أيضا لأنفسهم صيانة من أنفسهم حين تنحرف نحو العجب وهم في المنزلتين منزلة الشهادة على الناس وهي منزلة تشريف وتكريم ومنزلة المشهود عليهم من رسوله، فيخلصون النية انهم في المنزلتين مكرمون مكفول عند الله أجرهم، اذ لن يضيع جهدهم سوى أن يبطل صالح أعمالهم لأنهم يوقونون بأن ربهم يحصي عليهم أعمالهم وان كل نفس بما كسبت رهينة، فلا يسوغ لأحد أن يزعم أن أحدا من عباد الله قريب من ربه دون أن يقدم عملا صالحا، إذ لا محاباة ولا مجاملة ولا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى، وصدق ربنا القائل لنبيه (فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ـ النساء:41 -42).