عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك الله به طريقا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السموات، ومن في الأرض، والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم، فمن أخذه، أخذ بحظ وافر».
قال أبو حاتم بن حبان رضي الله عنه: «في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا هم الذين يعلمون علم النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من سائر العلوم، ألا تراه يقول: «العلماء ورثة الأنبياء».
والأنبياء لم يورثوا إلا العلم، وعلم نبينا صلى الله عليه وسلم، سنته، فمن تعرى عن معرفتها، لم يكن من ورثة الأنبياء» اهـ.
قال ابن القيم - رحمه الله -: قوله: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم».
هذا من كمال الأنبياء، وعظم نصحهم للأمم، وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم أن أزاح جميع العلل، وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس أن الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها، فحماهم الله سبحانه وتعالى من ذلك أتم الحماية.
ثم لما كان الغالب على الناس أن أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده، سد هذه الذريعة عن أنبيائه ورسله، وقطع هذا الوهم الذي عساه أن يخالط كثيرا من النفوس التي تقول: فلعله إن لم يطلب الدنيا لنفسه، فهو يحصلها لولده، فقال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة». فلم تورث الأنبياء دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم.
وأما قوله تعالى: (وورث سليمان داود) (النمل: 16). فهو ميراث العلم والنبوة لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم، وهذا لأن داود عليه السلام كان له أولاد كثر سوى سليمان، فلو كان الموروث هو المال، لم يكن سليمان مختصا به.
وأيضا، فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا، فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان، وورثه ابنه، ومن المعلوم أن كل أحد يرثه ابنه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة.
وأيضا، فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة، لا وراثة المال.
قال تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين وورث سليمان داود) (النمل: 15-16).
وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان، وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوة: (إن هذا لهو الفضل المبين) (النمل: 16).
وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (مريم: 5-6).