فأذنوا بحرب من الله ورسوله
حاولت فهم قوله تعالى في آية الربا: (وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، وكيف تكون هذه الحرب ونحن نرى اقتصاد العالم قائما على الربا؟
٭ هذه الآية عظيمة - وكل آيات الله عظيمة - وقد سبقتها صفات للمرابين وهذه أشنع صفة وأخطرها، وهي تعني أن المرابين محاربون لله عز في علاه ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل لم يرد في القرآن الكريم آية أشد منها، ودلالاتها تشير إلى خطورة الربا ذاته على الأفراد والمجتمع والأمم والعالم أجمع.
قال ابن عطية الأندلسي في قوله تعالى: (فأذنوا بحرب..)، «هذا وعيد إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل» وقد رتب بعض الصحابة والعلماء على هذه الآية أمورا عظيمة جسيمة من دلالات اللفظ ولوازمه. قال القرطبي: وقيل: إن المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ورسوله أي أعداء.
(تفسير القرطبي 3/235) ومن فقه مالك في هذه الآية «ما ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس رحمه الله فقال: يا أبا عبدالله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر.
يريد أن يأخذ القمر- أي يمسكه بيده -، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك.
فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلم أر شيئا أشر من الربا، لأن الله أذن فيه بالحرب». ولذا أجمع الفقهاء على أن الربا من الكبائر للآيات المذكورة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فيها أربعة.
قال جابر رضي الله عنه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه» رواه مسلم. ويلحظ أن الآية الكريمة لم تحدد نوع الحرب، فجاء لفظ «الحرب» منكرا زيادة في التشنيع والتهويل.
وقد زاد من تعظيم شأن هذه الحرب نسبتها إلى اسم الله الأعظم ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحرب هنا أشد من الحرب بالسلاح، فهي كما ترى ويرى العالم أجمع، حرب نتيجتها الأزمات المالية الاقتصادية المتلاحقة التي تهوي فيها البنوك والدول، وحرب اجتماعية في الأمراض والأوبئة والفقر والانتحار وغير ذلك... ونتيجة الحرب المعلنة في قوله تعالى (يمحق الله الربوا) «أي يذهب عنه البركة ويذهبه أيضا والمال الذي فيه»، ولا ريب أنه لا تكافؤ بين الطرفين، كما لا ريب في انتصار الله عز شأنه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وأظن إنما قدم النتيجة (يمحق الله الربا) في ترتيب الآية فقدمها عن آية الإيذان بالحرب - إذ نتيجة الحرب إنما تكون بعدها - للترهيب والتحذير قبل إعلان الحرب فقد يحمل ذلك على التراجع عن المواجهة، ولبيان أن النتيجة والنصر محتمان ومعلومان مسبقا.
والآية تعني الحرب على الظلم أيضا، لأن الله تعالى اعتبر الربا من الظلم فقال في ختام الآية: (لا تظلمون ولا تظلمون) فالمراباة ظلم وكل ظلم محرم، لأنه أخذ لزيادة بلا مقابل فلا وجه حق لأخذها. والربا ظلم على الآخذ والمعطي.
ظلم على الآخذ للقرض، لأنه دفع زيادة على دينه، وظلم أكبر على الآخذ للزيادة، لأنه أخذ زيادة على حقه، ولذا كان الربا من أشد المحرمات. قال الإمام الرازي «مال الإنسان متعلق حاجته، وله حرمة عظيمة، فوجب أن يكون أخذ المال من غير عوض محرما» (تفسير الرازي 2/358).
ويقول الإمام ابن تيمية: «الربا فيه ظلم محقق لمحتاج، ولهذا كان ضد الصدقة، فإن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإن مصلحة الغني والفقير لا تتم إلا بذلك، فإذا أربى معه فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه وظلمه زيادة أخرى، والغريم محتاج إلى دينه، فهذا من أشد أنواع الظلم» (القواعد النورانية 117).