بين مشكك في التدخل العسكري الروسي إلى أوكرانيا ومتيقن من هذه الهجمة العسكرية، شهد العالم مؤخرا الهجوم الروسي على أوكرانيا الذي يعد أخطر تطور عسكري تشهده أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ودخل العالم في تحليل جملة واسعة من السيناريوهات والتساؤلات عن الأسباب الحقيقية وراء هذه الحملة العسكرية وإلى أين ستصل.
لا شك أن الضبابية هي سيدة الموقف اليوم إلا أن هناك العديد من الأسئلة الجوهرية التي يمكن الإجابة عليها لتسليط الضوء على الظروف السياسية التي أدت إلى هذا الحدث الكبير والمقلق ولتوقع ما قد يحدث. علما أن تطورات الأحداث في الفترات القادمة قد تعاكس التوقعات، فالمعارك تبدأ عادة من مكان يصعب بعدها على صناع المعركة السيطرة على مجراها.
لقد شجبت معظم دول العالم الهجمة العسكرية الروسية على أوكرانيا. فما هو هدف بوتين الرئيسي في أوكرانيا ولماذا استقر على الخيار العسكري لحسم خلافاته مع الغرب حول القضية الأوكرانية؟
ببساطة شديدة، إن هدف روسيا الأساسي ألا تتحول أوكرانيا إلى قاعدة غربية على الحدود الروسية لا بل أن تخضع أوكرانيا بالكامل للنفوذ الروسي. وقد شعر بوتين أنه لم يعد لديه أي خيار لتحقيق هدف روسيا في أوكرانيا سوى الخيار العسكري. كيف؟
روسيا والخيار العسكري
لقد حاول الروس تحقيق هدفهم منذ العام 2013 حيث سعوا لإنشاء حكومة في العاصمة الأوكرانية تراعي المصالح الروسية. إلا أن هذا الخيار انهار مع قيام مظاهرات في كييف أدت أخيرا إلى الإطاحة بحكومة فيكتور يانكوفيتش الموالي للروس. واعتبرت روسيا أن ما حصل هو بمنزلة انقلاب غربي على مصالح روسيا ومحاولة اختطاف أوكرانيا إلى المعسكر الغربي. وبالفعل، بدأت روسيا تعمل جديا على عدة محاور تصب في خانة الحفاظ على سيطرتها على أوكرانيا.
ومن تلك المحاور انتزاع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. ففي الجزيرة يقع ميناء سيفاستوبول وهو مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود والذي يمكن الروس من النفاذ الى البحر الأبيض المتوسط عبر تركيا. ولقد تواجد الروس في هذا الميناء باستئجاره من أوكرانيا، إلا أنهم شعروا بخطر فقدانهم لهذا الميناء المهم مع تعاظم الحكومات الأوكرانية الموالية للغرب. لذلك قام الروس باحتلال جزيرة القرم عام 2014 بعد الإطاحة بالرئيس فيكتور يانكوفيتش بحيث لو سيطر الغرب على أوكرانيا فستبقى شبه جزيرة القرم بميناء سيفاستوبول تحت السيطرة الروسية. وعلى محور آخر، دعم بوتين الروس الموالين لروسيا في مناطق شرق أوكرانيا ليساعدوه على الحفاظ على تواجده في هذا البلد خاصة في منطقة الدونباس الشرقية. ومنذ عام 2014 قامت حرب أهلية في الدونباس بين الموالين لروسيا (الإنفصاليين) وبين الجيش الأوكراني راح ضحيتها حوالي 14 ألف قتيل وقام الإنفصاليون بإعلان جمهوريتين مستقلتين في الدونباس هما: جمهوريتي لوغانسك ودونتسك. ولم يعترف بهما أي دولة في العالم ولا بشرعية انفصالهما عن أوكرانيا، وحتى روسيا نفسها لم تعترف بهاتين الجمهوريتين المواليتين - انذاك- لأسباب استراتيجية رغم أن بوتين عبر عن احترامه لقرار سكان المقاطعة. ويعود سبب عدم اعتراف روسيا بالجمهوريتين أنذاك لكون سعي روسيا لتشكيل حكومة فيدرالية داخل أوكرانيا يكون لهاتين المقاطعتين صوت مؤثر يخدم مصالح روسيا. وقتها رفضت حكومة كييف الانفصال وبعد هزيمة الجيش الأوكراني اضطرت الحكومة للجلوس مع الإنفصاليين ما شكل اتفاقات مينسك الأول والثاني. ولم تنفذ كييف الاتفاق لأن تنفيذه قد يؤدي إلى وأد حلمها في أن تصبح جزءا من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الاطلسي «الناتو».
بايدن وتجدد حلم كييف
مع وصول الرئيس بايدن للبيت الأبيض تجدد أمل كييف بتحقيق أهدافها، وعادت الأزمة من جديد مع بدء حكومة كييف حملاتها لاسترداد السيطرة على الإقليمين.
هنا أدرك بوتين أن خطته بتشكيل حكومة فيدرالية في كييف ترجح مصالح روسيا ستفشل، فاتجه نحو الاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين وذلك للحصول على شرعية التدخل العسكري في أوكرانيا.
أما عن أهداف الحملة العسكرية التي أعلنها بوتين فهي ثلاثة أهداف:
1 - حماية الأشخاص الذين تعرضوا في الإقليمين على مدى 8 سنوات لسوء المعاملة وللإبادة الجماعية من نظام كييف وتقديمهم للمحاكمات.
2 - نزع السلاح وتحييده وليس احتلال أوكرانيا.
3 - تهديد من سيحاول الحيلولة دون العملية الروسية في أوكرانيا برد لم يواجهوه في تاريخهم.
وحذر بوتين من أن روسيا مستعدة لكل الاحتمالات.
في المقابل، تلخص موقف الغرب في تصريحات حلف «الناتو» بأنه: لا مفاوضات مع الروس ولا حرب معهم، وتبنت الدول الغربية سياسة العقوبات الاقتصادية، التي يشك في فعاليتها في ضوء تجارب سابقة مثل: فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران، كما قامت دول الغرب بدعم أوكرانيا عسكريا مما ساهم في قرار التدخل الروسي السريع قبل اكتمال الإمدادات العسكرية.
قد يبدو واضحا للمتابع للأحداث عزم الروس الدخول لأوكرانيا مقابل التردد الأوروبي. ويعود العزم الروسي لأهمية أوكرانيا لمصالح موسكو بينما يعود التردد الأوروبي لعدم أهمية أوكرانيا بشكل كاف لمصالح أوروبا، هذا بالإضافة لعدم «الشهية الأميركية» للدخول في أي حرب في العالم لأسباب عديدة خاصة بأميركا.
وبناء عليه، فإن احتمال اندلاع حرب عالمية مستبعد جدا اليوم، طالما أن الطرف الغربي لا رغبة لديه في الدخول في مواجهة عسكرية مع روسيا. ولكن كيف تتغير المواقف في الفترة القادمة وكيف تتطور وبأي اتجاه؟ يبقى السؤال مفتوحا.