يخبرنا «بروس واين» في تعليق صوتي قاتم مبكر في «The Batman» أن «الخوف هو أداة»، إنه يتحدث حول كيفية استخدام وجود باتمان لتخويف الأشرار، لكن من المحتمل أيضا أن يكون المؤلف والمخرج مات ريفز قد أخذ هذا الكلام حرفيا في إعادة تقديم شخصية البطل الخارق الشهير للشاشة من جديد، إنه أكثر أفلام باتمان رعبا حتى الآن، بدءا من المشهد الافتتاحي العنيف تظهر الرسالة بوضوح، إنه ليس فيلما لأبطال خارقين عائليا، بل هو فيلم إثارة نفسية مخيف وغاضب مع جرعة كبيرة من عنصر الجرائم الكلاسيكية، وصدقوا أو لا تصدقوا، ينجح ريفز تماما بتأدية الدور، محققا تحفة فنية سوداوية رائعة.
يقف «The Batman» بشكل مستقل بحد ذاته، لكنه ما زال يعج بالإشارات السينمائية، فمن الأفلام التي يذكرنا بها أثناء مشاهدتنا هي«Zodiac» و«Se7en» و«Chinatown» و«Saw» لكن هل تعرفون ما لم نتذكره كثيرا؟ إنه معظم أفلام باتمان الواقعية السابقة. صحيح أن الواقعية الجريئة التي تميز الفيلم تشبه إلى حد كبير ثلاثية كريستوفر نولان، ولكن يمثل هذا العمل توجها سينمائيا جديدا وجريئا حول الـ «Dark Knight»
لو كنا سنقارنه بفيلم آخر، فهو يشبه في طبيعته فيلم «Joker 2019»، إلا أن الاختلاف هنا هو أن فيلم «خواكين فينكس» لم يحتج إلى اسم الشرير الشهير من «DC» ليحكي قصته حول رجل فقير نسيه المجتمع، فـ «The Batman» من ناحية أخرى ما زال يروي قصة باتمان بطريقة مخلصة جدا.
إنه يستخدم العديد من القصص المصورة المختلفة ويعيد مزجها بطريقة جريئة لكن تحترم المادة المصدر، وفي نفس الوقت يقدم شيئا مختلفا تماما عما شاهدناه على الشاشة الكبيرة حتى هذه اللحظة.
من ناحية أخرى، إنه ليس فيلم قصة منشأ باتمان، حيث يدرك «ريفز» أننا نعرف أن «توماس» و«مارثا واين» توفيا، ويفترض بشكل صحيح أننا لسنا بحاجة إلى رؤيتهما يتعرضان للقتل مرة أخرى، وبدلا من ذلك يضعنا في وسط شراكة باتمان البطل المحارب مع المحقق «جيم غوردون».
تجري الأحداث في وقت متأخر من قصة «واين» بما يكفي لعدم الحاجة لإعادة سرد المشاهد التي شاهدناها مسبقا مرات كثيرة، لكن في وقت مبكر بما يكفي لدرجة أن تكون لديه مساحة كبيرة للنمو قبل أن يصبح البطل الخارق الذي لا تشوبه شائبة، لا نرى البداية، وإنما نرى الكثير من تطور الشخصية، بالإضافة إلى بعض الشروحات والإضافات الذكية لتاريخ العديد من عائلات غوثام.
يلعب «روبرت باتنسون» دور نسخة بشرية من الملياردير اليتيم أكثر ضعفا مما رأيناه من قبل، ومع دور شهير كهذا، كان من السهل نسخه (ولو كان بالصدفة) عن العديد من الممثلين الذين سبقوه، لكن «باتنسون» يضيف طابعه الخاص على الشخصية، حيث يتخلى عن وهم الرجل اللعوب والساحر الذي رأيناه في النسخ السابقة، ونحصل بدلا من ذلك على شخص حزين وغريب الأطوار يشعر بالعجز وبنفس الوقت بالإكراه بسبب صدمة بطريقة تجعل مشاهدته آسرة، فبروس هذا رجل محطم، غير قادر على إخفاء مشاعره حتى تحت القناع، كما يقدم باتنسون أداء مؤلما للغاية، سواء كان داخل بدلة باتمان أو خارجها.
صدقوا أو لا تصدقوا، فإن أداء باتنسون ليس حتى ثاني أفضل أداء في فيلم «The Batman» بل هو الأفضل ويأتي ثاني أفضل أداءين من نصيب زوي كرافيتز وبول دانو بدوري سيلينا كايل (كات وومن) وذا ريدلر على التوالي، من ناحية كرافيتز، فقد شعرنا بأن اختيارها للدور كان مثاليا منذ البداية، لكن أداءها العميق للشخصية تمكن من التفوق على كل التوقعات المرتفعة بالفعل، حيث تمتلك كل تلك الخفة والبراعة التي قد تأملونها، لكنها بشكل مشابه لبروس واين، تحمل ضعفا أيضا وفي نفس الوقت تقنعنا بحاجتها التي لا ترتوي للانتقام.
قد يكون «باتنسون» هو من يصرخ قائلا: «أنا أريد الانتقام!» لكن كارفيتز هي من تغلي بشعور الانتقام، كما يظهر الانسجام بين الممثلين بشكل لا يمكن إنكاره، سواء كانا يتقاتلان أو يتبادلان المعلومات، فإن الأجواء بينهما ساخنة جدا ومن ناحية دانو، فإن شخصية «ريدلر» هي ببساطة أفضل شرير واقعي لباتمان منذ جوكر «هيث ليدجر».
إنه بعيد كل البعد عن «ريدلر» السابق الأكثر شهرة للممثل «جيم كاري»، حيث يضفي «ريفز» طابعا عصريا ولمسة شخص قاتل على الشخصية التي تستلهم بشدة من قاتل زودياك في العالم الحقيقي.
يغرق دانو بدور هذا القاتل المختل والعبقري في آن واحد مع واقعية مرعبة، تمكن دانو حقا من إصابة المشاهد بالقشعريرة بحركة عين واحدة بأحد المشاهد. أفضل أشرار باتمان هم أولئك الذين يتحدون اثنين على الأقل من بين ثلاثة، (عقله وأخلاقه وجسده)، ويضع «ريدلر» أول عنصرين على المحك، في كل مرة يتواجه فيها باتنسون ودانو، من المستحيل أن يمكن المشاهد الإشاحة بالنظر عن المشهد.
كما يقدم كولين فاريل وجيفري رايت أداء مهيبا بدوري (البطريق) و(جيم غوردون) على التوالي، حيث يظهر فاريل بهيئة لا يمكن التعرف عليه فيها إطلاقا ويمكن القول لو لم نعرف بالفعل أنه هو من يمثل الشخصية لكان من الصعب تمييزه بدور رجل العصابات، ويبدو أنه يمضي وقتا ممتعا تحت كل تلك الإضافات التجميلية، بينما يتمتع رايت من ناحية أخرى بديناميكية الشرطي الصديق مع باتنسون، فيقدم بعض أفضل اللحظات التحقيقية الكلاسيكية في الفيلم، أما شخصية آلفريد بينيوورث للممثل «آندي سيركيس» فلديه علاقة مختلفة مع باتنسون، إنها علاقة أبوية تربطه بجذور عائلة «واين» ما يضيف ثقلا عاطفيا في هذا العمل المتميز بحق.
إذا كان كل هذا يبدو كثيرا على فيلم واحد، فتذكروا أن «The Batman» يمتد إلى 3 ساعات كاملة، لذا لديه كل الوقت الذي يحتاج، إنه يستحق مدته الطويلة فعلا، باستثناء بعض اللحظات في المنتصف التي لم يشعر فيها أحد بالانجذاب نحو اللغز السياسي في مركزه، لكن عندما يعود زخم القصة (والأكشن) من جديد، نشعر أن أحد خطافات باتمان اخترقتنا وسحبتنا بقوة شديدة نحو الاندماج الكتام داخل المشاهد.
إن الساعة الأخيرة تجعل كل هذا التراكم يستحق كل هذا العناء مع بعض مشاهد الأكشن الكبيرة والجميلة والمصممة ببراعة، حيث إن الواقعية التي تميز هذا العمل ترفع من مستوى المخاطر في المشاهد القتالية، وعندما يقوم باتمان بضرب أحد أو تلقي الضربات، فإن ذلك مؤلم بالنسبة إلينا أيضا.
كما أن منظر المدينة التي يحدث فيها كل شيء رائع للغاية، إذا رأيتم أيا من بوسترات «The Batman»، فلابد أن لديكم فكرة حول ما سترونه، حيث تنغمر مدينة غوثام باستمرار بدرجات من الأسود والأحمر. إن التباين الذكي الذي يقوم به المصور السينمائي «غريغ فريزر» بين التشبع اللوني والظلام يمنع الفيلم من أن يكون رتيبا، وبدلا من ذلك يبقينا مشدودين نحو غوثام التي تعكس المدن الأميركية الكبرى الأخرى من نواح كثيرة، ولكنها لا تزال فريدة بنفسها، ويكتمل كل ذلك مع الموسيقى التصويرية الدراماتيكية والساحرة للملحن مايكل جياتشينو، ما يخلق بعض اللحظات الملحمية الجديرة بأحد أشهر شخصيات القصص المصورة على الإطلاق.