وكأنما الأرواح تشف وترق وهي تتنسم الرحمات في هذه الآية الكريمة (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) يخبرنا جل جلاله أن هذه العبادة الجليلة انها كتبت علينا وعلى من سبقونا، فهي لغاية عظيمة، ليس الجوع والعطش وحبس النفس عن شهواتها الهدف من الصيام، إنما تجفيف المنابع التي تفسد وتسد نوافذ الوصول الى السمو بأرواحنا، وتحرير الأنفس من بوتقة الرغبات والشهوات، وأن هناك شيئا أسمى وأعلى مقاما من مجرد أكل وشرب ومتاع، تربية للنفس بين لا ونعم، الصيام يجبرها ويخضعها أن تأتي صاغرة إلى ربها، ثم لا يطول الأمر حتى تراها تأتي محبة مشتاقة وقد تخففت من جاذبية الأرض، وتعلمت ان ترحم الجياع والعطشى وتعطي مما اعطاها الله، فتجد الفرح يسري فيها مسرى الدم من العروق كلما روت عطشانا وأطعمت جائعا وأسعدت فقيرا ومحتاجا، إنه يعلمنا التكافل والتراحم والسمو والعلو بعيدا عن الانانية والجشع، شهر رمضان يربي الروح والجسد والفرد والجماعات على أن السعادة لا تكتمل الا اذا شاركتها مع الآخرين، بعد هذه التربية والاستعداد للتغيير، يخبرنا جل جلاله ان الغاية القصوى من الصوم، هي التقوى فمتى وصلنا اليها كنا الفائزين برضاه سبحانه وما التقوى الا ان تبتعد عن كل ما يغضب الله، فأنت بفضله تسمو وترتفع حتى تكون ذاك المخلوق الرباني الذي يرى بنور الله، يحب في الله، ويبغض في الله، ليس له من نفسه شيء.