بتكلفة متواضعة للغاية مقارنة بالكثير من الأفلام، ومن خلال قصة بسيطة خالية من الابتذال وأحداث تصاعدية غالبا، وبعدد محدود جدا من الممثلين وسيناريو حافل بالإثارة والتشويق والمغامرة والرعب، استطاع صناع «Fall» حبس أنفاس المشاهد لأكثر من 100 دقيقة، أمام أحداث فيها من الواقعية والكثير من المكاشفات.
«Fall» هو فيلم من طراز تحدي البقاء لعشاق المرتفعات، وتدور أحداثه حول صديقتين تعشقان التسلق، لنعلق معهما على قمة برج إرسال تلفزيوني قديم يتجاوز ارتفاعه ألفي قدم، وهما تكافحان للنجاة والوصول إلى الأرض بسلام بعد انهيار سلم حديدي مع بدء محاولتهما الهبوط من قمة البرج.
تعرض الدقائق الأولى للعمل بمساحة بصرية رائعة ومرعبة في ذات الوقت الصديقتان بيكي (غرايس كارولاين) وهانتر(فيرجينيا غاردنر) وهما تتسلقان إحدى الجبال بواسطة الحبال برفقة دان (ماسون غودينغ) الذي يسقط ويلقى حتفه، ومع هذه النهاية المأساوية تغرق «بيكي»، لمدة 51 أسبوعا في الثمالة والمهدئات، بعد أن أبعدت عن حياتها أحباءها، وكانت تعزي نفسها تارة بصورتهما معا، وأخرى بالاتصال بهاتفه والاستماع إلى البريد الصوتي، ناهيكم عن رفاته التي ظلت تحتفظ بها إلى قبيل وقوع الكارثة، وحين حاول والدها مواساتها وإخراجها من محنتها، كي تمضي قدما بحياتها، انفعلت عليه، كونها تفتقد «دان» والحياة معه، وخلال انصرافها أوقفها ليسألها: «إن كان الوضع معكوسا، أتخالين أن دان سيقف هنا وحيدا غارقا في الشراب، الحزن والأسى أيا كان ما أنت عليه؟».
لقد انقضى من عمر «بيكي» أكثر من سنة في عالم اللاحياة إلى أن اتصلت بها صديقتها «شيلوهانتر»، وبعد أن فتحت لها الباب، أخبرتها أنها تنوي تسلق البرج التلفزيوني القديم «بي67»- الذي يعد أطول مبنى في الولايات المتحدة- وأقنعتها بمرافقتها كما الأيام الخوالي بعد أن ذكرتها بقول «دان»: «لا تموتي إن أردت العيش، أو استمري في العيش وإن كنت تحتضرين»، وبمعنى آخر: «إن كنت خائفة من الموت، فلا تخافي من العيش».
وإذا كان السيناريو في دقائقه العشرة الأولى من عمر الفيلم، قد غيب «هانتر» عن صديقتها المحطمة الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن قيمة وأهمية الصداقة، بعد السؤال عن ماهيتها، فإنها توضح الأمر لصديقتها وهما عالقتان أعلى البرج قائلة: «بعد وفاة دان لم أكن أملك من القوة ما يكفي لأكون بجانبك، لذا هربت»، وقد جاء اعترافها بعدما فضحت الكاميرا أمر العلاقة التي كانت بينها وبين «دان» من خلال الرقم الموشوم على باطن قدمها (143)، وهو نفس الرقم الذي كان يقوله «دان» في جوابه على سؤال «بيكي» له «هل تحبني؟» ومع تلك الصدمة الدامية تستمر التساؤلات عن الصداقة والأصدقاء، وأيضا عن الحب الذي يضع الجميع في مواجهة صعبة مع الصداقة والزواج.
بدأت رحلة صعود المغامرتان للبرج، وبعد دقائق مرت على المشاهد كأنها ساعات وصلتا إلى القمة، ألقت «بيكي» رفات «دان» من الأعلى، وطوت صفحة من حياتها، وذلك بعد أن انتصرت على مخاوفها للأبد، لتبدأ رحلة مأساة الهبوط والتساؤلات.
مع بدايات النزول ينهار سلم حديدي متهالك بأكمله لتصبح الصديقتان في مأزق مأساوي تستدعيان خلاله شتى الأفكار والحيل التي من الممكن أن تسهم في إنقاذهما، وجاءت إحدى المحاولات عندما أسقطت «بيكي» حذاءها باتجاه رجل يسير أسفل البرج متجها نحو سيارته، ومع يقينه، هو وشريك رحلته، بوجود أشخاص عالقين أعلى البرج، لكنهما لم يجدا حرجا في الاستيلاء على سيارة المغامرتان دون أدنى محاولة لمساعدتهما، الأمر الذي يدفع المشاهد إلى العديد من التساؤلات.
وبعد التغلب على حالة الهلع وهما على قمة الهاوية وبثبات انفعالي، أفادت «هانتر» بأن الحياة قصيرة للغاية، وعليك فعل شيء يشعرك بأنك على قيد الحياة وكأنها، ومن قبل صناع الفيلم، قد تأثروا بقول «نيتشه»: «إذا أردت أن تجني من الوجود أسمى ما فيه فعش في خطر».
لقد قامت «بيكي» باختبار شتى الوسائل المتاحة كي تبقى على قيد الحياة، بما في ذلك التسلق قرابة 30 قدما لأجل شحن الطائرة 4K وإرسال رسالة بواسطتها إلى المطعم القريب، وقاومت كل أشكال الجوع والألم والرعب والوحدة رغم أن «هانتر» كانت برفقتها والتي اكتشفنا في لحظة متقدمة، عبر «فلاش باك» قصير، أنها سقطت وفارقت الحياة خلال صعودها مجددا بعدما نزلت، في يومهما الثاني، بواسطة الحبل قرابة 40 قدما، لجلب حقيبة الظهر العالقة بمحتوياتها (الماء وطائرة الـ 4K).
وإذا كانت «بيكي» في بداية الفيلم تذمرت من حرص والدها وخوفه عليها، وذلك بعد أن أقصت الجميع من حياتها بعد وفاة «دان»، فإن إرسالها رسالة استغاثة له، والعودة معه بعد نجاتها، يضمن وصول إحدى رسائل الفيلم التربوية، وبمعنى آخر، فإنه بين رغبة الأب في احتواء ابنته في بدايات الفيلم، ولهفته لإغاثتها والاطمئنان عليها بعدما وصلته رسالتها تتجلى النزعة التربوية التي نلمسها غالبا في الكثير من أفلام الرعب.
نجح صناع الفيلم في اختيار قمة البرج كمسرح للأحداث، ما يعد أحد أبرز الحدود القصوى للجنون ومشارف الموت التي لا يرغبها إنسان، والفيلم رغم ما فيه من مظاهر الألم، كالفقد، الغدر، الوحدة، اختبار الموت، إلا أنه ليس عدميا كما قد يراه البعض، بقدر ما هو دعوة للتغلب على المخاوف ودفع الحدود التي تدور حولها الحياة.
ومع وجود المعادل البصري والخلفية الموسيقية والتعبيرات الجسدية والصوتية عشنا حالة الرعب المزدوجة، مرة مع أبطال العمل كمتسلقين، وأخرى، من بعيد، كمتابعين، ففي كل لحظة ابتعاد للكاميرا كنا نتساءل عن غاية هذا العمل الجنوني، وفي اقترابها، يكاد الجمهور أن يصرخ محذرا البطلة من خطر قريب كنا قد عايشناه واختبرناه بفعل زووم الكاميرا، الأمر الذي أعطانا كمشاهدين تلك المتعة التي نجدها في أفلام سينمائية مهمة.