السينما بنت الحداثة، ورديفة النظام الرأسمالي، كما أنها تصلح تماما لتكون أيديولوجيا ذات وجهين، إذ لا تعدو كونها أداة، ومن ثم تمكن إدارة دفتها وفق أهواء ومصالح القوى المتحكمة فيها، لكن المعروف أن العمل على استخدام التسلية استخداما ماديا اقتصاديا بحتا قد جرى على أيدي الرأسماليين الأوائل، فإذا كان قد أصبح محتما أن يستريح العمال لبعض الوقت، أو يحظوا بيوم أو يومين إجازة في الأسبوع، فلماذا لا نقدم لهم الآليات التي تضمن لهم المتعة وتضمن لنا الربح؟
هكذا فكر الرأسماليون، غير أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما أمست الشاشات والألعاب وشتى وسائل التسلية، تحمل، شيئا فشيئا، فكرة معينة تصب في النهاية في صالح هؤلاء القوم الذين جندوا المتعة لصالحهم.
والسينما -في ماضيها أو حاضرها- ليست في منأى عن ذلك، ولا هي بعيدة عنه، وإن كان عصرها الأول قد شهد بعض الأعمال التي تنبأت بما نحن فيه، وحذرت وبأسلوب ذكي من مغبة الجشع الرأسمالي، فكر على سبيل المثال في فيلم شارلي شابلن الشهير«أوقات حديثة».
إذا كانت الفترة من نهاية القرن التاسع عشر إلى الربع الأول من القرن العشرين قد أطلق عليها «عصر الأيديولوجيا»، وهي تلك الأطروحة التي كانت سائدة في كتابات المفكرين السابقين، وتم استخدامها كأداة للتحليل والنقد، فإن العصر الجمالي هو الصورة التي حلت محل الأيديولوجيا في الوقت الراهن، إذ كان اللجوء إلى الخطاب الجمالي ضرورة لا بد منها، فالطبيعة بحاجة إلى اليوتوبيا والخطاب الجمالي أكثر من الأيديولوجيا، لأن هذه اليوتوبيا تفتح الواقع على الممكن بينما تعمل الأيديولوجيا على تكريس حتمية الواقع، إذا الفن، هو البديل المطروح للخروج من الوحدة والاغتراب التي انزلق فيهما الإنسان الحديث.
ليس في الأمر من تناقض، فإذا كان اللجوء إلى اليوتوبيا ضرورة فإن هذه الضرورة مرهونة بأن تذكر الإنسان بعذاباته وآلامه التاريخية حتى يتمكن من التخلص والتحرر منها، فما الفن سوى تحفيز للوعي لتغيير العالم إلى الأفضل.
وهذا التغيير إلى الأفضل، وفتح الواقع على الإمكان، على حد قول الوجوديين، لن يكون إلا عبر تنمية ملكة «الخيال» وحفزها والدفع بها إلى الأمام.
والخيال في هذه اللحظة يقوم بنفس الدور الذي تقوم به الفلسفة في الظروف التاريخية المماثلة، إذ هو يعارض مبدأ الواقع الحاكم وما يمليه من أحوال ضيقة النطاق، وتاليا يقدم آفاقا لمستقبل يختلف عن الوضع الراهن اختلافا نوعيا.