مفرح الشمري
نظّمت «أكاديمية لوياك للفنون» (لابا) الحلقة الحوارية الأولى من سلسلة حلقات وندوات واحتفالات ثقافية وتراثية تساهم في إحياء ذاكرة الأندلس، بما تختزنه من نكهة وأهمية خاصة في تاريخ الكويت وفي الجغرافيا والجمال العمراني.
وتحت إدارة «أجيال»، ستتولى «لابا» تنفيذ فعاليات متميزة على مدى سنة كاملة، تحتفي بمشروع الأندلس وتاريخه، لا سيما بعد توسعته مؤخرا، وتمزج بين طابعه التجاري وروحه الثقافية، كما تعيد ذكريات سينما الأندلس التي انطلقت في مرحلة الستينيات، كأول سينما في الكويت.
فسينما «الأندلس» التي أغلقت عام 1993 وهدمت عام 1994 وسط حزن عارم، عاود مشروع الأندلس اليوم وبعد 28 عاما استرجاع أيام الزمن الجميل، حيث كانت سينما الأندلس آنذاك جزءا من ذاكرة معاصريها من محبي الفنون، الذين عايشوا تلك الحقبة الزمنية الراقية، والتي جعلت من الكويت مقصدا ووجهة لكبار النجوم والفنانين الكويتيين والعرب والعالميين.
وفي سياق تعليقه على الحلقة، قال نائب الرئيس التنفيذي لشركة «أجيال» عبدالوهاب العريفان: قمنا ببناء مشروع الأندلس، لتميز موقعه الاستراتيجي مكان سينما الأندلس القديمة، والتي تمثل تاريخا كبيرا.
وقد تم الاتفاق مع «لابا» على تنظيم فعاليات تواكب افتتاح مشروع الأندلس، من حفلات موسيقية ومحاضرات وندوات ثقافية، تساهم في إثراء الشارع المحلي وإبراز دورنا الاجتماعي عبر إعادة إحياء التاريخ القديم لسينما الأندلس، نظرا لرمزيتها وأهميتها المعنوية والتاريخية والثقافية بالنسبة للمجتمع الكويتي.
فالبرامج الثقافية من أولويات مسؤوليتنا المجتمعية في «أجيال»، و«لوياك» خير من ينفذها.
وأضاف العريفان: كان الرعيل الأول من أهل الكويت يحرص على حضور حفلات «كوكب الشرق» أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفيروز وغيرهم من العمالقة الذين اعتلوا خشبة مسرح سينما الأندلس القديمة، حيث لاتزال الأندلس ماثلة لدى كل من عاصر حفلاتها وفعالياتها.
واستهلت الحلقة الحوارية بكلمة افتتاحية لرئيسة مجلس إدارة «لوياك» والعضو المنتدب لـ «أكاديمية لوياك للفنون» (لابا) فارعة السقاف التي أملت «أن تكون الحلقة بداية جميلة لموسم ثقافي مهم جدا في هذا المكان الجميل، فقد ارتأينا أن نبدأ نشاطنا بالذاكرة، بالعودة إلى الماضي.
ولذلك بدأنا من ذاكرة الأندلس خلال الحقبة التاريخية الممتدة بين العام 1960 و1965، كونها ذاكرة المكان الذي كان يحتضن سينما وصالة عرض استثنائية، كانت الأكبر والأهم في الشرق الأوسط، وقد سلمتنا «أجيال» مهمة الاحتفاء بذكراها».
وإذ شكرت «أجيال» على ثقتها بـ «لابا» وتوكيلها مهام إدارة النشاط الفني والثقافي في مشروع الأندلس، لفتت السقاف إلى أن «الحلقة الحوارية المقبلة أواخر شهر نوفمبر، ستشمل الفترة الممتدة من العام 1966 وحتى نهاية الستينيات.
وستكون الحلقات شهرية، بحيث تتحدث كل منها عن حقبة زمنية معينة من سينما الأندلس»، وكشفت أنهم بصدد «إعادة إحياء إحدى حفلات سينما الأندلس، تماما كما كانت أيام الستينيات، والتي أحياها حينها الفنان الكبير وديع الصافي وفرقة الأنوار اللبنانية.
فالحفلة التي سنعيد فيها البرنامج ذاته والأغاني نفسها، سيحييها منتصف نوفمبر الجاري نجل الراحل الفنان جورج الصافي بمواكبة فرقة «لابا» الموسيقية، على أن تكون مفتوحة للجميع، أما في شهر ديسمبر المقبل فسننظم حفلا غنائيا متميزا في إطار تقدير إبداعات عمالقة الغناء العربي على مسرح الأندلس».
ثم تولت الكاتبة الصحافية والناقدة الفنية ليلى أحمد والموثق والباحث التاريخي والكاتب الصحافي حمزة العليان إدارة المحور الأول بعنوان «حكاية الأرض والتصميم العمراني»، والذي تحدث فيه كل من د.م.صباح الريس ورئيس تحرير «القبس» وأحد رواد شركة السينما الكويتية وليد النصف.
وفي تقديمها، سردت ليلى أحمد سيرة الريس «المهندس المدني الاستشاري الذي يعد مصمما ومشرفا ومشاركا أساسيا في التنمية وتطوير البنية التحتية والنهضة العمرانية للدولة على مدى أكثر من خمسين عاما، والذي كان ومازال احد علامات عصره، فكان أن ترك بصماته على العمارة والمشاريع الهندسية، ومن بينها الأندلس، بعد أن تحول من تصميم على الورق إلى كائن حي نعيشه، نراه ونتنفسه منحوتا في ذاكرة الأجيال».
وتوجهت الكاتبة بأسئلة الريس حول موقع سينما الأندلس بمنطقة حولي في العام 1960 قبل استقلال الكويت، بحيث كانت منطقة نائية، بأغلبها مزارع وبيوت قليلة، كما تطرقت إلى ملامح الهندسة المعمارية للأبنية في الخمسينيات وأوائل الستينيات، وانعكاسها على مبنى سينما الأندلس الذي تميز بضخامته واتساعه وارتفاعه.
وفي معرض إجابته، أشار الريس إلى أن «قرية حولي كانت وجهة لشعراء كثيرين، كما شكل مبنى الأندلس أحد المعالم الرئيسية المتميزة في الدولة، وكان أعلى مبنى في الكويت، بحيث تمكن من احتضان أهم الفعاليات والمسرحيات والاحتفالات على تنوعها واختلافها».
وعن أسباب هدم سينما الأندلس، أسف لـ «عدم محافظة الكويت على تراثها وتوثيقه، في وقت تتبرع لدول أخرى حول العالم، لحماية تراثها».
من جهته، استذكر العليان منطقة حولي قائلا «عرفت تلك المنطقة مواطنين ميسورين يحضرون أفلاما سينمائية، يعرضونها في منازلهم، ويدعون إليها المعارف والجيران.
وقد ساهم هذا الصدى في اختيارها لتكون مقرا لسينما ومسرح الأندلس»، وردد قول الشاعر عبدالله سنان «إذا شئت التفرج والتسلي، فبادر بالخروج إلى حولي»، مضيفا «كانت تلك القرية مقصدا لمحبي النزهة أو السكن في فصلي الشتاء والربيع، وقد أضفى عليها مبنى سينما الأندلس، رونقا وجمالا خاصا».
كما قدم العليان نبذة عن سيرة وليد النصف، الذي تولى «عضوية مجلس إدارة بنك الكويت الوطني لمدة عشر سنوات، ومن ثم شغل منصب رئيس مجلس إدارة السينما الكويتية على مدى 21 عاما، قبل دخوله عالم الصحافة وتوليه رئاسة تحرير صحيفة القبس اليومية منذ العام 1999».
وفي سياق أسئلته، تناول العليان تأثير الحقبة السينمائية وانعكاسها على حياة الضيف ومسيرته المهنية، لا سيما أنه نجل أحد مؤسسي شركة السينما الكويتية الوطنية، وأن إدارة السينما اتخذت من مبنى الأندلس مقرا لها، وتطرق المحاور إلى أهم المحطات في تاريخ السينما الكويتية وذكريات مسرح وسينما الأندلس.
وفي تعقيبه، أوضح النصف أن «شركة السينما الكويتية انطلقت سريعا عام 1954، وقد اكتسبت قرية حولي أهمية بعد شائعات عن احتوائها كميات من المياه»، ورأى أن «السينما الحقيقية بدأت من الكويت، فتاريخ السينما بدأ من المنازل الكويتية، حيث كانت كل عائلة مقتدرة تستأجر فيلما وتفتح بابها للعروض. وطالما كانت الكويت وسينما الأندلس محطة للشهرة».
وسرد النصف قصة الأرض التي بنيت عليها سينما الأندلس، قائلا «وفق ما سمعت من أعمامي الكبار، أنه عقب تأسيس البنك الوطني، استدعى الشيخ عبدالله السالم خمسة أشخاص، وطلب منهم بناء سينما، فقالوا له إذا نجحنا كل منا يبني سينما، وإذا فشلنا نتكبد مسؤولية الدفع.
فأجابهم السالم بالقول: أعطيكم امتيازا لخمسين سنة». وهكذا، انطلقت شركة السينما عام 1954 بسرعة، وبرأسمال بلغ مليونا ومائة ألف روبية حينها.
أما عام 1955 وللمصادفة كان والدي مسؤولا لدى إحدى عائلات الصباح، وكان بيتهم كبيرا جدا، فكان أن قام والدي بتأجير البيت لشركة السينما، بأربعين ألف روبية، حيث وضعوا الكراسي وبدأوا بعرض الأفلام صيفا وشتاء، وكانوا يخصصون يوم الاثنين للنساء.
وعندما تأسست سينما الشرقية عام 1955، لم يكن هناك اعتياد بعد على الوقوف بالصف وقطع التذاكر، ولكنني أتذكر المأكولات التي كانت تباع حينها والتي تميزت بحجمها الكبير».
وإذ أشاد النصف بـ «الحس الوطني الذي تحلى به مؤسسو شركة السينما، بحيث كانوا يساهمون حينذاك بجزء من الأرباح لدعم الثورة الجزائرية ولصالح منظمة التحرير الفلسطينية»، تحدث عن «مراحل صعود وهبوط مرت بها السينما الكويتية، والتي شهدت بفترة معينة نجاحات كبيرة بكلفة قليلة، كما حصلت نقلات عديدة في السينما، حيث تبلورت النقلة الثانية بسينما السيارات التي أقيمت بناء على طلب الشيخ عبدالله الجابر».
وتحت عنوان «الحفلات الأولى المصورة»، استعرض المحور الثالث الليالي الأندلسية زمن الستينيات، والتي تجسد تاريخ الكويت وهويتها وثقافتها.
ومن خلال حفلات مصورة، استذكر المشاركون أيام العمالقة على مسرح سينما الأندلس، من أم كلثوم وفيروز وصباح إلى عبدالحليم حافظ وفريد الأطرش، مرورا بالطرب العربي وأغاني هدى سلطان وفايزة أحمد ونصري شمس الدين إلى الطرب الشعبي العربي مع شريفة فاضل، محمد قنديل ومها صبري، وصولا إلى الطرب الكويتي مع عبدالله الفضالة، عوض الدوخي، صالح الحريبي، غريد الشاطئ، عودة المهنا وسعود الراشد. أضف إلى اللون الغنائي الخاص بالمونولوجيست مع شكوكو، لبلبة، اسماعيل ياسين وعمر الجيزاوي.
وفي ختام الحلقة، أعلن ممثل شركة السينما الكويتية الوطنية إبراهيم الجريدان انهم بصدد إصدار كتاب حول تاريخ السينما منذ العام 1954 ولغاية تاريخه، وذلك حرصا منهم على توثيق الإرث الفني والثقافي للكويت، والتعبير عن الاعتزاز بإسهاماتها القيمة.