نحن بين يدي سورة عظيمة، سورة الزمر، التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأها عند نومه، وقد ذكر عدة سور منها السجدة، الإسراء، تبارك، ومنها المسبحات وثبت بالإجماع انه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين قبل نومه (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) إنما هو من الله العزيز في قدرته وانتقامه والحكيم في تدبيره وأحكامه، القرآن الذي يأمر بالعدل والحق. ويقول تعالى: (إنا أنزلنا) مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بهذا الشرف العظيم، شرف إنزال القرآن الذي به الحق (فاعبد) والأمر لله ولنبيه وأمته من بعده أن يخلص الدين لله والإخلاص هو مطلب التوحيد، والتوحيد لا يقوم إلا أن يكون خالصا لله - كذلك على الإنسان أن يتخلص من الشوائب التي تشوب الإخلاص، فالشرك يهدم الإخلاص والرياء يهدم الأخلاق والإخلاص عبادة قلبية لا يعلمها إلا الله، فاعبد الله وحده وأخلص له جميع دينك.
قياس فاسد
(ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه... الآية) ألا لله وحده الطاعة التامة يخبرنا الله بحجتهم الواهية، يقولون اتخذناهم شفعاء عند الله ندعوهم، قياس فاسد، قاسوا ملوك الدنيا بمالك الملك فقالوا: ما نعبد تلك الآلهة مع الله إلا لتشفع لنا عند الله وتقربنا عنده منزلة، فكفروا بذلك، لأن العبادة والشفاعة لله وحده، وهذه دعوة قائمة عند المتمسحين بالقبور ينادون باسم العبد قبل ان ينادوا الله، وهذا شرك صريح، ويجازي الله كلا بما يستحق، إن الله لا يوفق للهداية الى الصراط المستقيم من هو مفتر على الله كافر بآياته.
ثم يتعجب الله تعالى من حال هؤلاء الذين نسبوا له الولد ولو أراد الله أن يتخذ ولدا لاختار من مخلوقاته ما يشاء، تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد القهار الذي قهر خلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل خاضع، كل شيء منطو تحت مشيئته.
آيات الله العظيمة
(خلق السموات والأرض بالحق يُكوِّر الليل على النهار... الآية). ومن آياته هذا الكون العظيم انظر أيها الإنسان من الذي مهدها لك؟ ومن الذي أوجدها لك؟ ومن جعل لك أوقاتها، أليس هو الله الخالق؟ ثم أبدع تعالى في وصف خلقه فقال (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها.. الآية) أليس ربكم أيها الناس خلقكم من آدم وخلق منه زوجه، وخلق لكم من الأنعام ثمانية أنواع ذكرا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز؟ يخلقكم في بطون أمهاتكم طورا بعد طور من الخلق في ظلمات البطن والرحم والمشيمة، ذلك الله الذي خلق هذه الأشياء المتفرد بالملك المتوحد بالألوهية المستحق للعبادة وحده، فكيف تعدلون عن عبادته الى عبادة غيره من خلقه.
تمام نعمته
(إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر... الآية) إن تكفروا أيها الناس بربكم ولم تؤمنوا به ولم تتبعوا رسله فإنه غني عنكم ليس بحاجة إليكم وأنتم الفقراء إليه ولا يرضى لعباده الكفر ولا يأمرهم به وإنما يرضى لهم شكر نعمه عليهم، لا تنفعه طاعة أحد ولا يضره معصية أحد (وإن تشكروا) الشكر ديدن الأنبياء وهو نعمة على الإنسان ولا تحمل نفس إثم نفس أخرى، يخبرنا الله بتمام عدله وتمام منته على عباده، فكل امرؤ محسوب على نفسه يخبركم الله بعملكم ويحاسبكم عما في قلوبكم يعلم الظاهر والباطن، فاحذروا الله.
حالة غريبة
ويعجب الله من حال الإنسان الذي جعل لله شركاء، حالة غريبة ينكرها العقل وتنكرها العلاقات البشرية، هؤلاء المشركون إذا مسهم الضر ذكروا الله أن ينقذهم ويعاهدوا الله بوعود مكذوبة ثم ينكسون هذه العهود ويشركون معه غيره ليضل غيره عن الله وطاعته، قل له - يا محمد - متوعدا: تمتع بكفرك قليلا حتى موتك وانتهاء أجلك إنك من أهل النار المخلدين فيها ومن عجب هؤلاء (وجعلوا لله أندادا) جعلوا لله شركاء وهم في حقيقتهم بفطرتهم يعرفون أن الله حق ويرجون الله في شدتهم، قل لهم: تمتع بكفرك قليلا حتى موتك إنك من أهل النار المخلدين فيها.
ولما ذكر الله حال الكافرين قابلها بحال المؤمنين، أهذا الكافر المتمتع بكفره، خير أم من هو عابد لربه طائع له يقضي الله في القيام والسجود لله يخاف عذاب الآخرة ويأمل رحمة ربه؟ قل يا محمد: هل يستوي الذين يعلمون ربهم دينهم الحق والذين لا يعلمون شيئا من ذلك؟ لا يستوون مع من قلبه معلق بين الرجاء والخوف يحذر الآخرة. إنما يتذكر ويعرف الفرق أصحاب العقول السليمة.