سورة الزمر تعلمنا أصل الإيمان، وتدعو إلى التوحيد بالله عز وجل، وتبين أن أساس التوحيد هو الإخلاص لله تعالى، وأن نجدد الإخلاص في قلوبنا وأن نفرد سبحانه بالعبادة ولا نشرك به أحدا، وتعلمنا الإخلاص في الوحدانية والإخلاص في الدعوة والحرص على طلب الجنة.
ثم بين سبحانه أنه شكور للشاكرين، غفور للأوابين ومن كمال عدله أنه لا يُحمِّل نفسا إثم نفس أخرى، ويحاسبكم على أعمالكم، فهو عليم بما تخفي صدوركم (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
مثال للمؤمن والكافر
يبين الله سبحانه حال الإنسان وفقره إلى الله تعالى حتى لو كان مشركا بعد أن بين حال الذين لا يلجأون إلى الله إلا وقت الشدة والمرض والبلاء، يذكر الله ويدعوه ثم إذا أجابه وكفّ عنه ضره ومنحه نعمة من دعائه لربه عند حاجته إليه وأشرك معه غيره، ليضل غيره عن الإيمان بالله وطاعته قل له يا محمد متوعدا: تمتع بكفرك قليلا حتى موتك إنك من أهل النار، وهذا تهديد لأهل الشر وفيها طمأنينة وتسلية لأهل الخير. ثم يأتي الله بصورة جميلة وهي طاعة الله (أم من هو قانت آناء الليل... الآية).
أشار الله تعالى لمن هو طائع لربه يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله يخاف عذاب الآخرة ويأمل رحمة ربه، قل يا محمد: هل يستوي الذين يعلمون ربهم ودينهم الحق والذين لا يعلمون شيئا من ذلك، لا يستوون.
نداء لأهل الإيمان
(قل يا عبادي الذين آمنوا.. الآية) النداء تشريف خص الله بهذه الآية المؤمنين، الذين آمنوا بكل ما أمر الله به، اتقوا ربهم بطاعته واجتناب المعاصي، ثم جاءت البشارات للذين أحسنوا في هذه الدنيا، بعبادة ربهم وطاعته، حسنة في الآخرة وهي الجنة، وحسنة في الدنيا من الرزق والنصر والصحة وغير ذلك، ثم سحب بساط التعليل من المؤمن الذي لا يرضى بالاستضعاف، فإياك أن تبقى في مكان لا تعبد الله فيه فأرض الله واسعة فهاجروا فيها إلى حيث تعبدون ربكم وتتمكنون من إقامة دينكم إنما يعطى الصابرون ثوابهم في الآخرة بغير حساب منا، صبر على طاعة الله وصبر على المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة على الابتلاءات.
(قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) إذا كان سيد الخلق قد أمر بعبادة الله ومأمور بالإخلاص فحري بكل مؤمن أن يكون مخلصا لله وحده في عبادته، وأمرت بأن أكون أول من أسلم من أمتي.
(قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) قل - يا محمد - للناس: إني أخاف إن عصيت ربي فيما أمرني به من عبادته والإخلاص في طاعته عذاب يوم القيامة. فما بالكم بما دون صلى الله عليه وسلم، فكان الأمر بالإخلاص ثم الصدع به وكذلك المؤمن يكون مخلصا لله ودينه.
الخسران المبين
(فاعبدوا ما شئتم من دونه.. الآية)، قل يا محمد لهؤلاء أهل الشرك اعبدوا ما شئتم من دون الله فلا يضرني ذلك شيئا وهذا تهديد ووعيد لمن عبد غير الله وأشرك معه غيره فهم الخاسرون حقا، خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وهذا هو الخسران البين الواضح.
ثم يصف الله حالهم (لهم من فوقهم ظلل من النار.. الآية)، أولئك الخاسرون في جهنم فوقهم قطع عذاب من النار، ظلهم يوم القيامة النار ومن تحت أقدامهم نار وهذا العذاب يخوف الله به عباده ليحذروه يا عباد فاتقوني بامتثال أوامري واجتناب المعاصي.
بشرى عظيمة
(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.. الآية) بشرى عظيمة من الله وصف الذين اجتنبوا طاعة الشيطان وتابوا إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له لهم البشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن والتوفيق من الله وفي الآخرة النعيم الدائم في الجنة فبشر - يا محمد - عبادي، انقل لهم الخبر المفرح بشرهم بعطاء الله. وما صفة هؤلاء؟ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، سمع وإنصات، يستمعون القول وأحسن الكلام كلام الله ثم كلام رسوله، أولئك هم الذين وفقهم الله وهداهم لأحسن الأعمال والأخلاق وهم أصحاب العقول السليمة امتدحهم الله لأنهم يعرفون الحق.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)