قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى وإذا اقتضى» (البخاري).
أيها الودود - تأمل ما قال شرّاح الحديث: فيه الحض على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب لوجود البركة فيه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة، فأما فضل ذلك في الآخرة، فقد دعا صلى الله عليه وسلم بالرحمة لمن فعل ذلك، فمن أحب أن تناله بركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فليقتدِ بهذا الحديث ويعمل به.
تأمل مثلا البيع والشراء، فهما أمران ضروريان لا تقوم حياة بني آدم إلا بهما غالبا، وذلك لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء عند غيره، فكيف يواصل إليه إن استجداه، وقال: هبه لي أذل نفسه وإن استعاره بقي في قلق وإن أخذه غصبا ظلمه، فكان من حكمة الله عز وجل أن شرع البيع والشراء، فأنت يمكن أن تحتاج إلى دراهم فتبيع ما عندك وأنت محتاج إلى هذا الشيء المعين، ولكي تحصل على الدراهم كان البيع أمرا ضروريا لحاجة بني آدم، وكلما كانت هذه المعاملة بالمسامحة والسهولة كانت من خصال الإيمان.
السماحة هي بذل ما لا يجب تفضلا، وهي كذلك الكرم والسخاء، وهي أيضا التسامح مع الغير بالمعاملات المختلفة وفيها يدخل التيسير والملاينة. ومن طبيعة النفس السمحة أن يكون صاحبها هينا لينا يتقبل ما يجري به القضاء والقدر بالرضا والتسليم ويحاول أن يجد لكل ما يجري به القدر حكمة مرضية وإن كان مخالفا لرغبته، ويراقب قوله تعالى: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (النساء: 19).
والذي يتصف بالسماحة يكون متفائلا على الدوام، فيستقبل واقعه بانشراح صدر، وهذا من كمال العقل، لأن الشخص الواقعي يعيش واقعه ويرضى به إذا لم تكن له قدرة على تغييره، ويعامل الناس بالتسامح ويقبلهم على طباعهم، لأنه لا يستطيع أن يغير طباعهم.
ومن مظاهر السماحة، طلاقة الوجه ومبادرة الناس بالتحية والسلام وحسن العشرة والتغاضي عن هفواتهم، ونقصد بالناس البعيد والقريب بدءا بأهله وانتهاء بكل من يعامله من البشر.
فأهل الاستقامة هم أهل السماحة، ترى سماحتهم في الانقياد إلى رب العباد فيما أمر ونهى، فترى الواحد منهم يصبر على مر القضاء وحلوه بقبول ورضا، فهذه أحب أوصاف أهل الدين إليه.
وفي الحديث الصحيح المرفوع: «أفضل الإيمان الصبر والسماحة».
وقد اتصف المسلمون عبر العصور بالسماحة، والأمثلة تذخر بها كتب التاريخ وسير الفاتحين الذين تربوا على يد رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الشهر الكريم تتجلى مظاهر السماحة بين المؤمنين في معاملاتهم المتنوعة، ويبدو ذلك من خلال توادهم وتراحمهم الذي يظهر في جميع معاملاتهم فيما بينهم من إفطار صائم أو إغاثة ملهوف، وإطعام جائع، وتحقيق زكاة الفطر على ما شرعه الإسلام من توزيعها طعاما حتى يفرح بها المسكين يوم العيد.
قال الناظم:
إنَّ السَّماحةَ أخلاقٌ عُرِفْتَ بها
والمكرُماتُ حديثٌ عنكَ مَسْطورُ