بيروت ـ ناجي شربل وأحمد عز الدين وبولين فاضل
يوم فرنسي طويل للرئيس إيمانويل ماكرون في بيروت، استهله بالوصول إلى المطار، حيث استقبله رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، وختمه بلقاء حاشد أقامه السفير الفرنسي في مقر إقامته في قصر الصنوبر، حضرت فيه شخصيات سياسية وفئات واسعة من القطاعات، بعد دعوتها من قبل السفارة. وأمكن لقسم كبير من المدعوين الحديث مع الرئيس الفرنسي، الذي حرص على الاستماع إلى أوسع شريحة من الشعب اللبناني، من مسؤولين رسميين ومواطنين، أسوة بزيارتيه الأخيرتين بعد انفجار المرفأ في 4 أغسطس 2020.
وبعد الاجتماع مع لجنة وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، انتقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القصر الجمهوري في بعبدا، حيث استقبله رئيس الجمهورية العماد جوزف عون بمراسم الاستقبال الرسمية.
وعقد الرئيسان عون وماكرون لقاء ثنائيا، تحول لاحقا إلى لقاء موسع، وتلاه مؤتمر صحافي مشترك، وأقام الرئيس عون غداء رسميا على شرف الرئيس الضيف.
وخلال اللقاء الثنائي، قال الرئيس جوزف عون لماكرون «اللبنانيون يشكرونكم على مساعيكم المبذولة سواء عبر موفدكم الخاص أو من خلال اللجنة الخماسية للمساعدة في إنهاء الشغور الرئاسي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد فترة شغور طالت وتفاقمت فيها التحديات».
وتمنى عون على ماكرون «الإيعاز إلى شركة (توتال) بالعودة لمواصلة عمليات التنقيب عن النفط في البلوكات النفطية البحرية».
وجال الرئيس الفرنسي، يرافقه الموفد الرئاسي الفرنسي للبنان جان-إيف لودريان والسفير الفرنسي هيرفي ماغرو ومحافظ بيروت القاضي مروان عبود، في منطقة الجميزة في العاصمة اللبنانية، والتقى ماكرون فعاليات المنطقة وسكانها واستمع إلى آرائهم، كما التقى الشباب المتطوعين في الصليب الأحمر وزار مدرسة «الأطباء الثلاثة».
وألقى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس الفرنسي ماكرون في القصر الرئاسي في بعبدا، كلمة جاء فيها: «شهيرة مقولة الجنرال ديغول «ان في عمق كل فرنسي، شيئا من لبنان». ونحن في المقابل نقول: ان في قلب كل لبناني، وفي عقله ووجدانه ولغته اليومية وتاريخه الحي وثقافته المبدعة.. الكثير الكثير من فرنسا، فها هو وادي لامارتين جارنا هنا، وها هو ترابه الذي احتضن شقيقته جولي، وها هي دراسات إرنست رينان، التي حفظت تراثنا وتاريخ بلاد الأرز وقبلهما بقرون، وبعدهما أيضا، كنا معا وبقينا معا. نتبادل أنوار الحرية والحداثة، من أجل خير إنساننا وخير العالم. ولم يبخل لبنان. ولم يجحد ولم يتكاسل. فرد جميل فرنسا بكل ما هو جميل، من «مهاجر» جورج شحادة إلى «صخرة» أمين معلوف.. ومن أنامل غبريال يارد وأوتار ميكا إلى ترومبيت معلوف آخر هو إبراهيم.. وما بين هؤلاء من نتاج الكبار أدبيا وفنيا وعلميا وفي كل مجال: أندريه شديد وصلاح ستيتيه.. فينوس خوري ورينيه حبشي وجو مايلا.. والعشرات الذين أغنوا إنساننا والثقافة. فما بين بلدينا وشعبينا، يشبه هذا البحر الذي بيننا. مد وجزر جمعانا «من يوم اللي تكون يا وطني الموج»، كما تغني سيدتنا فيروز.. فيروز التي قمتم بزيارتها عزيزي إيمانوييل، يوم كان لبنان يتألم. وتعودون اليوم لزيارتنا، ولبنان يأمل ويحلم. فعلى مدى الأعوام الأخيرة، دفع شعبي الكثير. من دمائه ومن حجره. من أبنائه ومن ثرواتهم. لكننا فعلا ـ لا شعرا ـ شعب الفينيق. وها نحن قد انبعثنا أحياء».
وأضاف: قد يطول الكلام عما يحتاج إليه وطننا الآن. في السياسة والاقتصاد والأمن وشتى المجالات. لكنني اليوم، باسم شعبي، وباسمي شخصيا، أتمنى منكم السيد الرئيس أمرا واحدا فقط، أن تشهدوا للعالم كله، بأن ثقة اللبنانيين ببلدهم ودولتهم قد عادت. وأن ثقة العالم بلبنان يجب أن تعود كاملة. لأن لبنان الحقيقي الأصيل قد عاد.
بدوره، أعلن ماكرون عن عقد مؤتمر دولي لحشد التمويل لإعادة إعمار لبنان يتم تنظيمه خلال زيارة مرتقبة للرئيس جوزف عون إلى فرنسا في غضون بضعة أسابيع.
وفي كلمة مفعمة بالأمل بمستقبل لبنان، توجه إلى نظيره اللبناني بالقول «انتخبتم رئيسا للجمهورية، ومن 9 يناير عاد الربيع في فصل الشتاء، وفخامة الرئيس انتم الامل ورئيس الحكومة سيجسد هذا الامل، فانتخاب اللبنانيين لك أكد على مطالبتهم بالتغيير وانعاش لبنان».
وأضاف «سندعمكم وسندعم هدفكم بلبنان ذات السيادة وهذا شرط لحماية لبنان من الاعتداءات ولاستمرار وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي كان نجاحا ديبلوماسيا. وسنعمل على تجنيد المجتمع الدولي لمساعدة لبنان في كل المجالات ويجب تعزيز عمل اليونيفيل لكي تتمكن مع انجاز مهمتها».
وتابع ماكرون «يجب تشكيل حكومة جديدة سريعا وأعرف ان كل القوى السياسية ستتحرك لمواكبتكم ومواكبة رئيس الحكومة المكلف والجميع مجند إلى جانبكم لإيجاد الحلول».
وأكد الرئيس الفرنسي أن «بلاده تتطلع لانسحاب كامل للجيش الإسرائيلي وأن يكون السلاح فقط بيد الجيش اللبناني».
وأضاف «المجتمع الدولي ينتظر من لبنان اصلاحات في مجالات العدالة والطاقة ومكافحة الفساد والإعمار (..) سنواصل العمل على تدريب الجيش اللبناني والقوى الامنية، وسنعمل مع لبنان على ترسيم حدوده البرية عند الخط الأزرق».
وتلا ذلك لقاء رباعي شارك فيها الرئيسان عون وماكرون إلى جانب رئيس مجلس النواب ورئيس حكومة تصريف الأعمال، ثم انتقل الجميع إلى مأدبة غداء.
توازيا، تسير حلحلة العقد أمام إطلاق تشكيل الحكومة على الرغم من المطبات، ويعول عليها الكثير محليا ودوليا، سواء من خلال التأييد الواسع الذي عبر عنه كبار المسؤولين على مستوى العالم، او عبر دعوات الزيارات التي توجه إلى رئيس الجمهورية العماد جوزف عون.
وزار الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة نواف سلام الرئيس نبيه بري في عن التينة، وصرح بعد الزيارة «انا ودولة الرئيس نقرأ في كتاب واحد، وهو الدستور. وسأبقى على تواصل مع الرئيس بري حتى تشكيل الحكومة».
وأوضح ان «الاستشارات النيابية لم تنته أمس، لأنني استكملها اليوم. وكان هناك إجماع من الكتل على ضرورة النهوض سريعا بالبلد والعمل على الإنقاذ وسأتعهد بذلك».
وأكد «انه لا خيار أمامنا سوى التفاهم والتفاهم (كررها مرتين)، ولا أحد سيعطل ولا أحد سيسمح بتعطيل تشكيل الحكومة»، وأضاف «لدي تصور أولي سأعرضه على فخامة الرئيس»، في حين قال الرئيس بري «اللقاء كان واعدا».
وفي وقت كثر الحديث عن شكل الحكومة وموعد ولادتها، توقعت مصادر مطلعة لـ «الأنباء» ان يتم تشكيلها قريبا بعد حلحلة كل العقبات التي واجهتها، وأكدت ان المطلوب حكومة سياسية قوية في هذه المرحلة، لتتمكن من تحقيق الأهداف الكبرى المطلوبة منها، لجهة ضبط الأمن والاستقرار والنهوض بالاقتصاد وإصلاح مرافق الدولة التي تضررت كثيرا وضربها الفساد، إضافة إلى التحدي الأكبر إعادة الإعمار التي تتطلب مساعدات وتمويلا استثنائيا.
وأضافت المصادر «لا توجد في لبنان حكومات غير سياسية في ظل وجود كتل نيابية وأحزاب تسمي وزراء يمثلون الطوائف وفقا للحصص الطائفية، في غياب أي نظام للمعارضة والموالاة في تشكيل الحكومات وغياب الاحزاب العابرة للطوائف والمناطق».
وترى المصادر «ان اختيار اختصاصيين لتلبية متطلبات المرحلة، لا ينزع عنهم الصفة السياسية، لأن القرار في نهاية الامر يعود للحزب والطائفة، والتجارب عديدة في هذا المجال وخصوصا فكرة «الوزير الملك» الذي اعتبر بمنزلة ضمانة لعدم اسقاط الحكومات. إلا ان هذه التجربة اثبتت عكس ذلك».
واعتبرت ان المرونة التي عبر عنها رئيس الجمهورية، ومن بعده الرئيس المكلف نواف سلام، مع التأييد النيابي الواسع «عوامل تفتح الطريق أمام تشكيل سريع للحكومة، خلافا للتجارب السابقة التي كانت فيها المحاصصة وتوزيع الحقائب الوزارية سببا في تأخير الحكومات لأشهر»، وأشارت إلى ان هذه الحكومة ستجرى الانتخابات البلدية في مايو المقبل، ومن ثم الانتخابات النيابية في مايو من سنة 2026.
والترحيب الدولي بانتخاب رئيس الجمهورية والعمل على تشكيل حكومة، عبر عنه مجلس الأمن الدولي في بيان خاص بلبنان، كما شدد على ضرورة وقف الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان. وتزامن ذلك مع وجود الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش في لبنان، والذي سيترأس اجتماعا للجنة الإشراف على اتفاق وقف النار، وكذلك الاجتماع مع قيادة القوات الدولية للاطلاع على العقبات التي تواجه مهامها في هذه المرحلة المهمة والمفصلية.
في الجنوب، تواصل القوات الإسرائيلية عملية التدمير واحراق المنازل في القرى الحدودية، على غرار ما حصل ليلا بإحراق عدد من المنازل في بلده عيتا الشعب في القطاع الأوسط الذي كان يفترض ان تنسحب منه القوات الإسرائيلية خلال الايام الماضية، وذلك قبل نحو اسبوع من انتهاء المهلة المحددة في الاتفاق للانسحاب.
من جهة أخرى، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عسكرية تدعو إلى الانسحاب من لبنان، مشيرة إلى ان حزب الله يتعرض لضغوط على الساحة الداخلية اللبنانية، وفي ظل حجم الدمار، فإن عدم انسحاب اسرائيل سيدفعه إلى العودة إلى المقاومة، وهذا ما لا تريده القوى الدولية الراعية للاتفاق.