- لا يجوز إتلاف الأموال المحرمة متى كان الانتفاع بها ممكناً وصرفها على المصالح العامة والفقراء
- أوصي بإنشاء صندوق خاص لتلقي الأموال المحرمة والمشتبه فيها والتي تعذر ردها إلى أصحابها
أكد د. خالد أبا الصافي المطيري أستاذ مشارك بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية أن الاموال المحرمة والمشتبه فيها لا يجوز وقفها اذا قويت شبهتها وفقا للاصطلاح الشرعي للوقف، ولكن يجوز أن يكون بصيغة الإرصاد، فهي شبيهة بالوقف من حيث تخصيصها للصالح العام، لافتا إلى ان مصادر الاموال المحرمة والمشتبه فيها تعددت مما انعكس سلبا على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، ولذلك لا يجوز إضاعة المال بإتلافه متى كان الانتفاع به ممكنا وإلى نص الحوار:
هل يدخل المال الذي به شبهة أو المال الحرام أو غسيل الاموال في ملك صاحبه؟
٭ قرر الاسلام مفهوما للمال ودوره في الحياة بدءا من أين اكتسبه وفيم انفقه، حرصا منه على الكسب الحلال، وان هذا الكسب هو الذي يملكه حائزه، اما مكتسب المال الحرام او ما فيه شبهة قوية تلحق بالحرام فلا يدخل في ملك الاشخاص ولا يجوز لهم التصرف به تصرف الملاك، وإن كان هذا المال عند من حازه فعليه أن يرده الى صاحبه ان وجده او ورثته، فإن تعذر فعليه أن يتخلص منه ويصرفه مصرف الصدقات او المصالح العامة.
وهل هذا المال الذي تم حبسه للصالح العام يعتبر وقفا لصاحبه؟
٭ لا يعتبر وقفا شرعيا لأن من شرط الوقف ان يملكه صاحبه، ولكن إذا صار هذا المال إلى الدولة فإنه يدخل في ملكيتها، باعتبارها شخصية اعتبارية، على الرغم من انها ليست كقوة الملكية الخاصة، وعندها يصح ان يسلك به طريق الوقف في مفهومه الاصطلاحي، وهذا مستثنى من اشتراط ملكية الواقف للموقوف كما قال الشافعية، وإما أن يسلك به مسلك الإرصاد، وفي كلتا الحالتين فهو مخصص للمصالح العامة ويجوز ان يكون على معين فقط، وطريقة الإرصاد أحكم، ومن ثم جاز للدولة عبر مؤسساتها كالأمانة العامة للاوقاف أن ترصد هذا المال وتحدد مصارفه بشرط كونه للمصالح العامة، فإن ظهر أصحاب هذا المال فهم الاحق بهو فإما أن يُمضوا هذا التصرفو وإما أن يبطلوه.
هل يجوز اتلاف الاموال المحرمة أم ينتفع بها؟
٭ تعددت مصادر الأموال المحرمة والمشتبه فيها مما انعكس سلبا على الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وفي الوقت ذاته لا يجوز اضاعة المال بإتلافه متى ما كان الانتفاع به ممكنا، لذلك قرر كثير من الفقهاء والمجامع الفقهية ان سبيل المال الحرام هو التخلص منه بصرفه على المصالح العامة وللفقراء.
هناك اشكال فقهي في مسألة وقف المال المحرم والمشتبه فيه باعتباره إحدى طرق التخلص؟ ٭ وقف المال المحرم والمشتبه فيه الذي قويت شبهته لا يجوز فيها استعمال صيغة الوقف بالمعنى الاصطلاحي والبديل المقبول هو جعله إرصادا او تخصيصا من قبل الشخص لنفسه الحائز على هذا المال او من قبل الدولة، فالمال الحرام ليس على درجة واحدة، فمنه محرم لذاته، ومنه محرم لغيره، كما ان الشبهة في المال ليست على درجة واحدة، فقد تشتد وتضعف بحسب قوة المدرك واختلاف العلماء.
فالإسلام يحرص على احترام المال وجعله من الضروريات الخمس، وحذر من الكسب المحرم، كما حذر من اتلافه إن تحقق بغير فائدة، فكان الوقف والإرصاد طريقا شرعيا في المحافظة على هذه الاموال وتقويم اعوجاجها.
وهل يجوز وقف المال الحرام والمشتبه فيه؟
٭ هناك بعض الأشياء يمتنع الوقف فيها بسبب انها محرمة شرعا كالخمر والتجارة بها أو لكون المال مكتسبا بطرق محرمة كالسرقة والربا وأن هذا المال غير منتفع به انتفاعا مباحا في نظر الشارع كما انها مضرة وفيها مفسدة ككتب أهل البدع، وأن لها تعلقا بحق الغير فهذا لا يمكن التصرف بها إلا بإذن صاحبها وذلك مثل الأموال المكتسبة بطريق الغش والخداع والاختلاس او السرقة وأعمال النصب ونحو ذلك، فهذه الأشياء فقدت اعتبار مالية الأشياء وهي كون الشيء متقوما في نظر الشارع منتفعا به، ومتقوما في نظر الشارع جار وقفه وهذا يعني التفريق بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره وما هو بدل عن الحرام كثمن الخمور مثلا مع الأخذ بالاعتبار الخلاف بين الحنفية والجمهور في مالية بعض الأشياء كالخمر واشترط الفقهاء من حيث الجملة التمول في الموقوف وكونه مملوكا.
ما الإشكالية في اشتراط ملكية الواقف؟
٭ الإشكالية ان المال الحرام داخل في ملك حائزه فليس هو بمتقوم في نظر الشارع وأن المال الذي فيه حق الغير لا يمكن وقفه والواجب رده لصاحبه، فإن تعذر الرد فالواجب هو التخلص منه بالتصدق به أو صرفه في المصالح العامة ومن ذلك إمكانية إيداعه في بيت مال المسلمين (خزانة الدولة) فيتحول هذا المال الحرام ملكا للدولة وبهذا لا يرد إشكال عدم ملكية هذا النوع من المال، وللدولة ان تتصرف فيه وفق ما يحقق المصلحة العامة ومن ذلك إمكانية وقف هذا المال لا باعتباره وقفا وفق المنظور الاصطلاحي للوقف لأن من شرط الموقوف تحقيق الملكية وهذا المال لا يملكه حائزه ولا تملكه الدولة وإنما يسلك فيه مسلك الإرصاد او التخصيص مع مراعاة اختلاف العلماء في بعض القضايا كالبيع الفاسد فهو يفيد الملك عند الحنفية بالقبض ومن ثم يجوز وقفه. ومن ناحية أخرى، تظهر إشكالية ملك الواقف للمال الحرام من حيث تعلقه بحق الدين وحق العين إذا كان صاحب المال مجهولا.
وما رأيكم في هذا المال الحرام هل يجب ان يكون للدولة لوقفه وينتفع به؟
٭ الأفضل في نظري ان المال الحرام يجب ان يكون بحوزة الدولة لتقوم بتخصيصه بما يشبه الوقف وهو الإرصاد وليكون تحت رعايتها ونظرها الدقيق.
وما إشكالية كون الموقوف منتفعا به شرعا؟
٭ لتأصيل مشروعية وقف المال الحرام والمشبوه أذكر لكم مسألة حكم وقف «الكلب» عند الفقهاء لمشابهة عدم اعتبار مالية الكلب وتقومه عند بعض الفقهاء من جهة وباعتبار منفعته من جهة اخرى وهذا مثال يقاس عليه كل شيء محرم او مشبوه جرى فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من أجاز وقف الكلب بكونه معلما ومنفعته مشروعة ومتحققة فيه، والقول الثاني: عدم جواز وقف الكلب مطلقا ولو معلما.
وهل تؤيد جواز وقف «إرصاد» المال الحرام والمشتبه فيه؟
٭ الدليل على التأييد لذلك هو حماية هذا المال من الضياع فلا يجوز إتلافه إذا كان نقودا بخلاف الأعيان النجسة فهذا التصرف هو من جنس المصلحة المشروعة، كما ان وقف الذمي جائز إذا كان وقفه من مال حلال، حيث تجرى على أهل الذمة أحكام الإسلام في المعاملات والتصرفات المالية بموجب التزامه بعقد الذمة إلا اذا استثني من ذلك كالتعامل بالخمر والخنزير، قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين.. الآية) بشرط أن يكون محل الوقف مشروعا وليس محرما، ولابد ان يكون من مال غير محرم لذاته فلا يجوز وقف الخمر من الذمي ولكن ان باعها وهو طبعا معتقد حلها وأخذ ثمنها جاز له وقف هذا الثمن ويستفيد منه المسلم.
ماذا عن أموال محرمة تم إيداعها في خزانة الدولة كونها أموالا ضائعة او غير معروف أصحابها او أموال اللقطة ثم ظهر أصحابها، فما حكم الوقف حينئذ؟
٭ المسألة قد تنازعها طرفان، الأول: أحقية أصحاب الأموال بها، والثاني التصرف الصحيح من الواقف بهذه الأموال بحسب الظاهر وأقول: إن أصحاب هذه الأموال لهم الأولوية المطلقة لها فيجب رد الأموال لهم فينحل الوقف ما لم يجيزوا استمراره، فإذا كانت هذه الأموال لم يتصرف فيها حائزها فالواجب ردها لأصحابها بعد ظهورها، وإما ان يتم التصرف بها من خلال ارصادها وحينئذ يكون الخيار لأصحاب هذا المال باستمرار الوقف أو حله. والأجدر إن كان الوقف متماسكا ومدرا للريع لا ينحل بعد ان آل للدولة وأصبح مفيدا للمجتمع وعندها يثبت الضمان في ذمة حائز المال المكتسب بطرق غير مشروعة تجاه صاحبه.
وما حكم وقف المال الحرام والمشتبه فيه للوقف الخيري والذري والمشترك؟
٭ إذا كان المال الحرام غير المحرم لذاته قد أرصد للمصالح العامة وللصدقات فهل يتناول هذا اللفظ الذرية نقول ان صاحب هذا المال ان كان معروفا فالواجب رد المال إليه، وإن كان ميتا او مفقودا فالواجب رده لورثته ويدخل فيه الذرية لأن حقهم في أصل المال أقوى وهم الذين لهم الحق بعد عودة المال إليهم أن يقفوا هذا المال او يستأثروا به.
ماذا إذا كان المال اكتسب عن طريق غسيل الأموال او المخدرات؟
٭ لا يملكها ويجوز وقفها بطريق الارصاد من قبل الدولة ولا بأس من استفادة من اكتسب هذا المال بالحرام من ريع هذا الوقف (الارصاد) وكذا ذريته سواء ما كان مصرفا للذرية او مشتركا فهو مصرف صحيح يتناوله لفظ المصالح العامة والصدقات ويصدق عليه اسم مصارف الإرصاد المخصصة.