مفرح الشمري
منذ تأسيسها في التاسع من يوليو عام 1963، لم تكن جمعية الفنانين الكويتيين مجرد مقر يجتمع فيه الفنانون، بل كانت ولاتزال بيتا يحمل ذاكرة الحركة الفنية في الكويت، ونافذة يلتقي من خلالها رواد الفن مع الأجيال الجديدة، لتبقى رسالة الإبداع مستمرة، ويظل التراث الكويتي حاضرا في الوجدان قبل أن يكون حاضرا على خشبة المسرح أو في ساحات الاحتفالات.
وعلى مدار أكثر من ستة عقود، لعبت الجمعية دورا محوريا في احتضان الفنانين بمختلف تخصصاتهم، فكانت المظلة التي جمعت المبدعين، وسعت إلى الدفاع عن حقوقهم، ووفرت مساحة للحوار وتبادل الخبرات، وأسهمت في إقامة الأنشطة والورش والندوات التي انعكست إيجابا على تطور الحركة الفنية في البلاد.
ولعل أكثر ما يميز الجمعية هو وفاؤها للفنون الشعبية والتراث الكويتي، إذ لم تتعامل مع الموروث بوصفه جزءا من الماضي، بل باعتباره هوية وطن تستحق أن تنتقل إلى الأجيال المقبلة، وذلك من خلال فرقها الشعبية ومشاركاتها داخل الكويت وخارجها، قدمت صورة مشرقة عن الفنون الكويتية، وحافظت على حضورها في مختلف المناسبات الوطنية والثقافية، لتبقى الأغنية الشعبية، والفنون البحرية، والرقصات التراثية، والأزياء التقليدية، جزءا أصيلا من المشهد الثقافي.
وشهدت الجمعية خلال مسيرتها محطات إدارية مهمة، كان لكل منها أثره في تعزيز مكانتها، فقد قادها المطرب القدير عبدالعزيز المفرج «شادي الخليج» شفاه الله، بروح الفنان المؤمن برسالة الثقافة، وعمل على ترسيخ مكانة الجمعية باعتبارها بيتا للفنانين وحاضنة للتراث، واضعا خبرته وتاريخه في خدمة العمل الفني، حتى أصبح اسمه مرتبطا بإحدى أهم مراحلها، تقديرا لما قدمه من جهود كبيرة في الحفاظ على هوية الجمعية ودورها.
ثم جاءت مرحلة الملحن القدير أنور عبدالله، الذي واصل البناء على ما تحقق، واضعا نصب عينيه تطوير العمل المؤسسي، وتعزيز حضور الجمعية في المشهد الثقافي، مع الاهتمام برعاية الفنانين وتوسيع الأنشطة التي تخدم مختلف مجالات الإبداع، لتبقى الجمعية قريبة من الوسط الفني وقادرة على مواكبة المتغيرات.
واليوم، يواصل رئيس مجلس الإدارة زبير العميري قيادة الجمعية برؤية تستند إلى احترام تاريخها، مع السعي إلى تجديد نشاطها والانفتاح على مختلف المبادرات الفنية والثقافية، وإعطاء الفنون الشعبية والتراث مساحة أكبر، إلى جانب دعم المواهب الشابة وتعزيز حضور الجمعية في المناسبات المحلية والخارجية، بما ينسجم مع مكانتها كإحدى أعرق المؤسسات الفنية في الكويت.
ومع انتقال الجمعية إلى مبناها الجديد، بدأت مرحلة مختلفة من مسيرتها، إذ وفر المقر الجديد بيئة أكثر ملاءمة لاحتضان الأنشطة والفعاليات واستقبال الفنانين والمهتمين بالشأن الثقافي، ليصبح فضاء يليق بتاريخ الجمعية، ويساعدها على توسيع برامجها واستضافة الفعاليات التي تجمع مختلف ألوان الفن تحت سقف واحد، بما يعزز رسالتها ويمنحها آفاقا أرحب للمستقبل.
وبعد مرور 63 عاما على انطلاقتها، تثبت جمعية الفنانين الكويتية أن المؤسسات الثقافية لا تقاس بعمرها الزمني فقط، بل بما تتركه من أثر في الناس، وبقدرتها على حماية الهوية، وصناعة الفرص، واحتضان الموهبة. وما بين جيل الرواد وجيل الشباب، ما زالت الجمعية تكتب فصولا جديدة من قصة بدأت قبل أكثر من ستة عقود، وما زالت تؤمن بأن الفن رسالة، وأن التراث ذاكرة وطن لا ينبغي أن تغيب.