علي ابراهيم
لطالما مثلت أسواق الأوراق المالية المرآة العاكسة لنبض الاقتصادات الوطنية، والبوصلة التي تقيس قدرة الدول على امتصاص الصدمات واستيعاب المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، ومن ثم العودة بقوة إلى مسارات النمو والتنمية.
وفي الذكرى الأليمة للغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت، لا نستذكر فقط بطولات وتضحيات أبناء الوطن، بل نقف أمام «الصمود المالي والاقتصادي» لدولة استطاعت أن تحول أصعب أزماتها إلى نقطة انطلاق نحو بناء منظومة مالية عتيدة.
ويحمل السجل التاريخي لسوق المال الكويتي بين طياته محطات استثنائية تثبت، بما لا يدع مجالا للشك، المتانة الهيكلية للاقتصاد الكويتي وقدرته الفائقة على التعافي والتطور، مهما بلغت قسوة الظروف.
صدمة الغزو العراقي.. توقف قسري وإعادة هيكلة مؤلمة
شكل الثاني من أغسطس عام 1990 زلزالا مدمرا طال جميع مفاصل الدولة، ولم يكن القطاع المالي وسوق المال بمنأى عن تداعياته الكارثية. ولم يقتصر الأمر على توقف التداول، بل شمل محاولات ممنهجة لتدمير البنية التحتية المالية، حيث تعرضت مقار السوق والمؤسسات المالية للنهب والتخريب، وفقدت العديد من الشركات أصولها ومستنداتها، ما فرض شللا تاما على حركة التداول، وتوقفت مقصورات البورصة عن العمل لمدة 28 شهرا متواصلة، وهي فترة كفيلة بانهيار أنظمة مالية بأكملها في دول أخرى. ومع بزوغ فجر التحرير، واجهت الكويت تحديا اقتصاديا غير مسبوق لإنقاذ نظامها المالي. وتجسدت أولى ملاحم الصمود في حماية الأصول الوطنية في الخارج، ثم توجيه الجهود نحو الداخل لمعالجة التشوهات العميقة التي خلفها الغزو. ولعل أبرز تلك التحديات تمثل في أزمة اختناق السيولة وتداخل الالتزامات، ما دفع الدولة إلى اتخاذ قرارات سيادية جريئة تمثلت في برنامج معالجة «المديونيات الصعبة»، الذي كان بمثابة طوق النجاة، إذ منع انهيار القطاع المصرفي والمالي وحمى مدخرات المواطنين. وتركت تلك المرحلة المظلمة ندوبا عميقة على هيكل السوق الكويتي، تجلت بوضوح في تقلص حجم السوق، بانخفاض عدد الشركات المدرجة من 54 شركة قبل الغزو إلى 28 شركة فقط، عندما أعادت وزارة التجارة والصناعة افتتاح السوق في أواخر سبتمبر عام 1992، بعد استكمال الترتيبات وعودة الاستقرار. ولم يكن هذا الانخفاض مجرد تراجع رقمي أو خسارة بحتة، بل كان انعكاسا لعملية «جراحية» اقتصادية استهدفت «فلترة» السوق وإعادة تنظيم الأوضاع المالية. فقد اشترطت السلطات آنذاك معايير صارمة للملاءة المالية وإثبات القدرة على الاستمرارية، للسماح للشركات بالعودة إلى التداول، ما أدى إلى استبعاد الكيانات الهشة، لتبدأ مرحلة دؤوبة من إعادة البناء على أسس صلبة، استعادت تدريجيا ثقة المستثمر المحلي والأجنبي، وأثبتت قدرة الكويت على لملمة شتات اقتصادها بمرونة استثنائية.
الأزمات بوصلة للإصلاح والتطوير المؤسسي
وكما في كل المحطات التاريخية، أثبت صانع القرار المالي الكويتي أنه لا يكتفي بتجاوز الأزمات، بل يتخذ منها منصة للإصلاح الجذري. فمع هبوب رياح الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي عصفت بأسواق المال الكبرى، سارعت الكويت إلى اتخاذ خطوات هيكلية وتشريعية غير مسبوقة لتحصين اقتصادها، شملت:
- تأسيس هيئة أسواق المال (2010): كجهة رقابية سيادية مستقلة، شكلت نقطة تحول مفصلية نحو إرساء منظومة رقابية حديثة، تضع الشفافية وكفاءة التداول وحماية حقوق الأقلية والمستثمرين في صدارة أولوياتها.
- ولادة «شركة بورصة الكويت» (2014): ككيان خاص تولى إدارة عمليات السوق في أكتوبر 2016، في خطوة جريئة جسدت الانتقال الفعلي من عباءة «المرفق الحكومي» البيروقراطي إلى مرونة «المؤسسة التنافسية» التي تدار وفق أرقى معايير الحوكمة المؤسسية العالمية.
العصر الذهبي: من سوق محلي إلى وجهة عالمية
ومنذ أن أخذت منظومة سوق المال الكويتي على عاتقها إدارة المشهد، أطلقت، بالتعاون الوثيق بين هيئة أسواق المال وبورصة الكويت والشركة الكويتية للمقاصة، برنامجا شاملا لتطوير السوق، شمل تنويع الأدوات الاستثمارية، ورفع معايير الإفصاح، وتحديث البنية التحتية التقنية والفنية. وقد أثمر هذا التناغم عن سلسلة من الإنجازات التي رسخت مكانة الكويت مركزا ماليا إقليميا، من أبرزها:
- الترقيات العالمية: نجح السوق الكويتي في جذب أنظار الصناديق السيادية والمحافظ الاستثمارية الدولية، متوجا جهوده بالترقية إلى مصاف «الأسواق الناشئة» ضمن أهم المؤشرات العالمية:
مؤشر FTSE Russell.
مؤشر S&P DJI.
مؤشر MSCI.
- خصخصة نموذجية: سطرت بورصة الكويت قصة نجاح فريدة في المنطقة عبر مسيرة خصخصتها التي تمت على مرحلتين:
استحواذ تحالف استراتيجي من شركات استثمار كويتية ومشغل عالمي على 44% من أسهم الشركة.
طرح 50% من الأسهم للاكتتاب العام للمواطنين، الذي شهد إقبالا منقطع النظير، بتغطية تجاوزت 850%، فيما آلت نسبة الـ6% المتبقية إلى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية.
الإدراج الذاتي (سبتمبر 2020): توجت البورصة هذه المسيرة الاستثنائية بإدراج أسهمها في «السوق الأول»، لتصبح من أوائل البورصات ذاتية الإدراج في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس أعلى درجات الشفافية والثقة.
نحو «كويت 2035» رؤية تتحقق
اليوم، ونحن نستحضر ذكرى الغزو العراقي الغاشم، ننظر بفخر إلى شاشات التداول في بورصة الكويت. فلم تعد مجرد سوق تقليدية لتبادل الأسهم، بل تحولت إلى منصة مالية متعددة الأصول، تدار بأحدث التقنيات، وتخضع لأدق معايير إدارة المخاطر العالمية.
وتواصل منظومة سوق المال الكويتي، بلا كلل، تنفيذ خططها التوسعية لابتكار منتجات استثمارية جديدة والارتقاء بالخدمات الرقمية. وهي بذلك لا تعزز جاذبية البيئة الاستثمارية فحسب، بل تقف كأحد أهم الركائز الداعمة للاقتصاد الوطني، والمحرك الأساسي لتحقيق تطلعات القيادة السياسية في رؤية «كويت 2035» كمركز مالي وتجاري إقليمي رائد.
لقد علمتنا دروس التاريخ أن الأمم الحية هي التي تصنع من المحن منحا، وبورصة الكويت، بتاريخها وحاضرها، خير شاهد على أن الإرادة الكويتية قادرة دائما على كتابة قصص النجاح، حتى من قلب الأزمات.