- د.حمد الحساوي: البنوك استمرت في خدمة الكويتيين رغم الظروف الاستثنائية الصعبـة
- محمد رمضـان: «الأجيال القادمـة» لعب دوراً محورياً في تمكين الكويت من تجاوز تلك المرحلة
- عبدالحميد العوضي: «برنامج العودة» بالنفط نجح في إعادة شرايين الحياة بتوفير الوقود للكهرباء والبنزين
طارق عرابي - علي ابراهيم
لم يكن الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990 مجرد احتلال للأرض، بل شكل واحدة من أعنف الصدمات الاقتصادية والمالية في تاريخ الدولة الحديثة، بعدما أصاب مؤسساتها الحيوية بالشلل، وألحق أضرارا واسعة بالقطاعين المالي والمصرفي، وفرض على الدولة تحديات غير مسبوقة لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة بالمنظومة المالية.
وبينما واجهت البنوك الكويتية عمليات نهب ممنهجة واستهدافا مباشرا لموجوداتها ونظامها النقدي، برزت في المقابل قدرة الدولة على إدارة الأزمة من خلال التدخلات التشريعية السريعة، والدور المحوري الذي اضطلع به بنك الكويت المركزي في حماية الاستقرار النقدي وإعادة تشغيل القطاع المصرفي، إلى جانب الاستفادة من الاحتياطيات السيادية التي وفرت الغطاء المالي اللازم لتحرير البلاد وإعادة إعمارها.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تحولت تلك الأزمة إلى نموذج اقتصادي يستشهد به في إدارة الأزمات، إذ نجحت الكويت في إعادة بناء قطاع مصرفي يتمتع بمستويات مرتفعة من المتانة والسيولة والملاءة المالية، ورسخت أهمية الاحتياطيات السيادية كخط دفاع استراتيجي، لتؤكد التجربة الكويتية أن التخطيط المالي طويل الأجل، وسرعة الاستجابة المؤسسية، وتكامل السياسات النقدية والمالية، كانت الركائز الأساسية التي مهدت الطريق نحو التعافي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام. «الأنباء» استطلعت آراء مجموعة من الاقتصاديين حول الدور الاقتصادي الذي قامت به الكويت خلال تلك الفترة، وفيما يلي التفاصيل:
في البداية، قال أمين عام اتحاد مصارف الكويت الأسبق، د. حمد الحساوي، إن القطاع المصرفي الكويتي خرج من الغزو منهكا ومثقلا بالديون المتعثرة، وسرعان ما أعاد بناء نفسه عبر تدخل تشريعي مباشر ودور بنك الكويت المركزي الفاعل، وهو اليوم من أكثر الأنظمة المصرفية استقرارا في المنطقة، منخرطا بجدية في التحول الرقمي والتقنيات المالية.
وذكر الحساوي أن الغزو لم يوقف النظام المصرفي في الكويت فحسب، بل حاول النظام العراقي أيضا السطو على النقد المتداول والاستيلاء على موجودات البنوك الكويتية.
وأضاف الحساوي: «اتخذت إدارات البنوك قرارا غاية في الأهمية، في أول أيام الاحتلال، بالاستمرار في خدمة الكويتيين رغم الظروف، ودعم العائلات التي وجدت نفسها بلا مأوى ولا دخل، بمعنى آخر، تحول عمل البنوك خلال هذه الفترة من نشاط مصرفي بحت إلى دور شبه إغاثي، مع محاولة الحفاظ على الأصول والسجلات قدر الإمكان من العبث والنهب الممنهج الذي قامت به قوات النظام العراقي».
وتحدث الحساوي عن إعادة التأهيل بعد التحرير قائلا: «هنا كان التحدي الأكبر، حيث نجد أن النظام المصرفي الكويتي خرج من الاحتلال بموجودات منهوبة جزئيا، وقروض ومديونيات تعثرت بفعل توقف الاقتصاد لسبعة أشهر، وعملاء غير قادرين على السداد، مما حدا بالدولة إلى التدخل تشريعيا بسرعة نسبية، حيث صدر المرسوم بقانون رقم 32 لسنة 1992 الخاص بمعالجة أوضاع الجهاز المصرفي والمالي، ثم تبعه القانون رقم 41 لسنة 1993 الذي أتاح للدولة شراء جزء من المديونيات المتعثرة من البنوك وتسويتها وفق نسب وشرائح محددة، مع استثناء التسهيلات الممنوحة لتمويل عمليات السوق النقدي والقطع الأجنبي».
وزاد الحساوي: «بالتوازي، صدر مرسوم بقانون عام 1992 يعفي المستفيدين من قروض بنك التسليف والادخار العقارية والتجارية، التي منحت قبل 2 أغسطس 1990، من الأقساط المستحقة بعد ذلك التاريخ، على أن تتولى وزارة المالية تسوية هذه القروض بدلا منهم».
ولفت الحساوي إلى أن بنك الكويت المركزي تولى إصدار إصدارا جديدا ومؤقتا من الدينار الكويتي لمواجهة كميات النقد التي سرقها الغزاة، وعمل على إعادة تشغيل الخدمات المصرفية الحيوية في وقت قياسي بعد التحرير، ودعم جهود إعادة الإعمار المصرفي والاقتصادي بشكل عام، وترتب على ذلك استعادة تدريجية لثقة العملاء والمؤسسات، لا بقرار واحد، بل عبر مسار امتد سنوات من التسويات القانونية والدعم الحكومي المباشر. وبعد الغزو وحتى اليوم، تعامل «المركزي» مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 وأثرها على الاقتصاد والقطاع المصرفي المحلي، ثم مع جائحة كوفيد-19 عام 2020، حيث واصلت المؤسسات المصرفية عملها دون انقطاع لضمان الاستقرار النقدي والاجتماعي.
وأشار الحساوي إلى وضع البنوك الكويتية اليوم ومؤشرات السلامة المالية لها بين عامي 2015 و2025، والتي تعكس متانة واضحة من حيث السيولة والربحية وكفاية رأس المال وجودة المحفظة الائتمانية.
وقال: «بنهاية مايو 2026 ارتفعت أصول البنوك المحلية التقليدية وفروعها نحو 9.4% على أساس سنوي، أي ما يعادل زيادة قدرها 9.02 مليارات دينار».
خسائر جسيمة
من جانبه، قال مستشار وزير المالية السابق محمد رمضان إن ذكرى الغزو العراقي للكويت ستظل شاهدا على واحدة من أصعب المحطات الاقتصادية والمالية في تاريخ الدولة، بعدما خلفت خسائر جسيمة امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات، إلا أن التجربة أثبتت في المقابل أهمية التخطيط المالي طويل الأجل وامتلاك الاحتياطيات السيادية القادرة على حماية الاقتصادات من الصدمات الاستثنائية.
وأوضح رمضان أن الغزو لم يقتصر تأثيره على الدمار الذي طال البنية التحتية وتعطل النشاط الاقتصادي، بل فرض أعباء مالية ضخمة على الدولة، حيث بلغت تكلفة تحرير الكويت نحو 17 مليار دولار، إلى جانب مليارات الدولارات الأخرى التي تم إنفاقها لاحقا لإعادة إعمار البلاد، وإعادة بناء المؤسسات والمرافق العامة، واستعادة النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن صندوق احتياطي الأجيال القادمة، الذي كانت تبلغ أصوله آنذاك نحو 100 مليار دولار، لعب دورا محوريا في تمكين الكويت من تجاوز تلك المرحلة، إذ وفر للدولة الملاءة المالية اللازمة لتغطية الالتزامات الاستثنائية وتمويل عمليات إعادة الإعمار، مؤكدا أن وجود هذا الاحتياطي الاستراتيجي كان أحد أهم عوامل صمود الاقتصاد الكويتي وسرعة تعافيه.
وأشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للكويت انخفض خلال عام 1991 بأكثر من 60% نتيجة توقف النشاط الاقتصادي وتداعيات الاحتلال، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على المؤشرات المالية، حيث ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي بصورة حادة، وأصبحت الكويت، رغم كونها دولة غنية، من بين الدول الأعلى عالميا في نسبة الدين إلى الناتج المحلي آنذاك، ليس فقط بسبب زيادة الدين، وإنما أيضا نتيجة الانخفاض الحاد في حجم الاقتصاد خلال تلك الفترة.
وبين رمضان أن الدولة اعتمدت بشكل كامل خلال تلك المرحلة على الاقتراض واحتياطي الأجيال القادمة لمواجهة العجوزات المالية المتراكمة وتمويل احتياجاتها الأساسية، قبل أن تنجح لاحقا في استعادة التوازن المالي وتحقيق فوائض مالية كبيرة استمرت حتى عام 2014، وهو ما أسهم في إعادة بناء الاحتياطيات وتعزيز المركز المالي للدولة.
وأكد أن التجربة الكويتية تقدم درسا اقتصاديا مهما يتمثل في أن بناء الاحتياطيات السيادية خلال سنوات الرخاء ليس ترفا ماليا، بل يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات غير المتوقعة. واختتم بالقول إن صندوق احتياطي الأجيال القادمة أثبت أنه صمام الأمان الحقيقي للاقتصاد الكويتي، وأسهم في حماية الاستقرار المالي للدولة خلال أصعب الظروف، حتى أصبح اليوم من أكبر الصناديق السيادية في العالم، مع وصول أصوله إلى ما يقارب تريليون دولار، بما يعزز قدرة الكويت على مواجهة التحديات المستقبلية وحماية حقوق الأجيال القادمة.
كارثة حرق الآبار
بدوره، قال الخبير النفطي عبد الحميد العوضي إن القطاع النفطي الكويتي عانى من تجربة مريرة أثناء وبعد الغزو العراقي للكويت، حيث تسبب الجيش العراقي الغاشم في أضرار كبيرة لآبار ومصافي النفط الرئيسية، فضلا عن الأضرار التي لحقت بموانئ التصدير وسفن وناقلات النفط الكويتية التي تضررت بشكل كبير. وأضاف أن الجيش العراقي قام قبل اندحاره من الكويت بتفخيخ وتفجير كافة آبار النفط، الأمر الذي تسبب في كارثة بيئية ونفطية واقتصادية كبيرة، استمرت آثارها لأشهر طويلة بعد تحرير البلاد، وذلك قبل أن تتمكن السواعد الكويتية من إطفاء الآبار المحترقة والتخلص من البحيرات النفطية الكبيرة التي انتشرت على مساحات واسعة من الأراضي الكويتية. وأشار إلى أن رئيس دائرة التسويق العالمي بمؤسسة البترول الكويتية آنذاك، الشيخ علي الجابر العلي الصباح، قام بإعداد خطة بالتعاون مع إدارة التسويق التي كانت تضم كلا من عبدالحميد العوضي وجمال النوري وصالح العسعوسي وعصام المرزوق وغيرهم، بهدف إعادة بناء الشركة من جديد، وإعادة عمل القطاع النفطي من داخل الكويت بدلا من «مكتب لندن» الذي كان قد تولى هذه المهمة أثناء فترة الغزو العراقي للبلاد.
وأكد العوضي أن فريق العمل نجح في تنفيذ ما سمي آنذاك بـ«برنامج العودة»، ما ساهم في إعادة شرايين الحياة للكويت، وذلك عن طريق توفير زيت الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء والماء التي تمثل شريان الحياة لدولة الكويت، ناهيك عن توفير المواد الهيدروكربونية وسلندرات الغاز والبنزين، وهي المواد التي كان يتم استيرادها من المملكة العربية السعودية التي لعبت دورا كبيرا، إلى جانب باقي دول الخليج العربي، في سبيل تحرير الكويت وعودة الحرية لشعبها.
واختتم العوضي قائلا إن دور دائرة التسويق المحلي بمؤسسة البترول الكويتية لم يتوقف عند ذلك الحد فحسب، وإنما واصلت عملها في تحصيل المستحقات المالية من الدول الخارجية، لتعيد إلى ميزانية الدولة مئات الملايين من الدنانير المتراكمة على العديد من الدول، والتي تأخر تحصيلها بسبب الغزو العراقي الغاشم.