- أول أيام الغزو أنشأنا تنظيم مقاومة يعمل بعقل.. قادر على الاستمرار ويعتمد على السرية وتقسيم المهام
- المقاومة كانت منظومة كاملة تراقب تحركات الجيش العراقي وتنقل المعلومات وتوفر المخابئ للمطلوبين
- قسمنا الكويت إلى قطاعات وحددنا مسؤولية كل مجموعة واعتمدنا مبدأ الخلايا الصغيرة بحيث لا يعرف كل فرد إلا ما يخص مهمته
- ضربات المقاومة أوجعت الغزاة مما أربك القيادة ودفعها إلى استنفار أجهزتها الأمنية ضد أبطال الكويت
- الاعتقالات العراقية طالت كل من كان يشتبه في مساعدته للمقاومة أو إيوائه لأحد رجالها
- لم يكن الاعتقال مفاجأة بقدر ما كان محطة توقعناها جميعاً منذ اللحظة التي قررنا فيها البقاء في الكويت
- تنقلت بين غرف التحقيق وتوالت الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة: من معك؟ من يقود المقاومة؟ وأين تجتمعون؟ من يمولكم؟ وأين السلاح؟
- لم تكن أيام التحقيق سهلة عليّ وكان التعذيب جزءاً من برنامج يومي والتهديد بالإعدام حاضراً في كل لحظة
- في سجن «أبو غريب» كنا نتقاسم لقمة الخبز ونشد من أزر بعضنا موقنين بأن المحنة ستنتهي مهما طال الزمن
أحمد خميس
«لم يكن فجر الثاني من أغسطس عام 1990 مجرد يوم تم فيه اجتياح الكويت من العراق، بل كان اليوم الذي اختبر فيه كل كويتي صغيرا أو كبيرا ضميره ووطنيته وحبه وإخلاصه لتراب الوطن، كنا يومها في مواقع مسؤولياتنا، ومع الساعات الأولى للغزو توجهنا إلى أعمالنا، حيث كان همنا الأول حماية الأرواح وإخلاء الموظفين والمسافرين، بينما كانت القوات العراقية تتقدم بسرعة للسيطرة على مفاصل الدولة».. هكذا بدأ الفريق أول متقاعد محمود الدوسري حديثه لـ«الأنباء» عن ذكرياته في بدايات الغزو العراقي للبلاد، واصفا ما تعرض له من اعتقال وأسر وتعذيب في السجون العراقية، إلى ان حكم عليه بالإعدام، حيث كان وقتها برتبة عقيد ويشغل منصب مدير أمن مطار الكويت.
وقال الدوسري في بداية حديثه: مع نهاية اليوم الأول للغزو، أدركنا كما أدرك غيرنا أن الاحتلال لن يكون عابرا، وأن الكويت مقبلة على مرحلة تتطلب من أبنائها أن يتحملوا مسؤولياتهم كل في موقعه ولم نفكر في مغادرة البلاد، رغم أن القوات العراقية بدأت تبحث عن القيادات الأمنية والعسكرية، وأن أسماء عدد منا كانت ضمن المطلوبين، واجتمعنا بعد أيام، وكان قرارنا واضحا وهو تنظيم مقاومة تعمل بعقل، لا بردة فعل ولم يكن هدفنا المغامرة، بل بناء تنظيم قادر على الاستمرار، يعتمد على السرية وتقسيم المهام، بحيث لا يؤدي سقوط أحد أفراده إلى كشف بقية المجموعات وبدأنا بتشكيل الخلايا، وربطها ببعضها بوسائل اتصال محدودة، وتوزيع الاختصاصات بين جمع المعلومات، وتأمين الاتصالات، ونقل السلاح، وتنفيذ العمليات ضد قوات الاحتلال.
وأضاف الدوسري: لم تكن المقاومة تعني حمل السلاح فقط، بل كانت منظومة كاملة وكنا نراقب تحركات الجيش العراقي، وننقل المعلومات، ونوفر المخابئ للمطلوبين، ونؤمن وسائل الاتصال، وندعم الخلايا المنتشرة في مختلف المناطق. ومع كل عملية تنجح، كانت المخابرات العراقية تشدد قبضتها، وتوسع حملات الدهم، وتطارد رجال المقاومة حتى أصبحت صور عدد من رجال المقاومة معلقة في مقارهم ونقاط تفتيشهم، ورغم الاحتياطات الأمنية، ضاق الخناق شيئا فشيئا وبدأت الاعتقالات تتسع، وسقط عدد من الإخوة في الأسر، لكن ذلك لم يزدنا إلا إصرارا على مواصلة الطريق.
لقاءات سرية
وتابع: لم يكن أمامنا وقت طويل، فالاحتلال كان يرسخ أقدامه، والمؤسسات بدأت تقع الواحدة تلو الأخرى، فيما كانت حملات الاعتقال تطال القيادات العسكرية والأمنية وكل من يشتبه في قدرته على تنظيم عمل ضد الاحتلال وكنا ندرك أن العمل الفردي لن يغير شيئا، وأن أي مقاومة لا تقوم على التنظيم والانضباط ستنتهي سريعا، لذلك كان القرار أن نؤسس عملا وطنيا منظما، بعيدا عن الاندفاع والعشوائية وبدأت لقاءاتنا بسرية تامة، في بيوت آمنة غيرنا أماكنها أكثر من مرة حتى لا نلفت الانتباه وكنا نصل متفرقين، ولا نبقى أكثر من الوقت اللازم، فعيون المخابرات العراقية كانت في كل مكان، وأي خطأ بسيط قد يكلف التنظيم بأكمله وفي تلك الاجتماعات وضعنا الأسس الأولى للمقاومة. قسمنا الكويت إلى قطاعات، وحددنا مسؤولية كل مجموعة، واعتمدنا مبدأ الخلايا الصغيرة، بحيث لا يعرف كل فرد إلا ما يخص مهمته، حماية لبقية الرجال إذا وقع أحدهم في الأسر. لم يكن الهدف صناعة أسماء، بل صناعة تنظيم يبقى قائما مهما كانت الخسائر.
وذكر ان المقاومة لم تكن بندقية فقط، بل كانت عقلا يدير المعركة بصمت وكانت هناك مجموعات لجمع المعلومات، وأخرى لمراقبة تحركات القوات العراقية، ومجموعات لتأمين وسائل الاتصال، وأخرى لتوفير المأوى للمطلوبين، إضافة إلى فرق تولت نقل السلاح والذخيرة وإخفاء المعدات، بينما أوكلت مهام التنفيذ إلى رجال عرفوا بالشجاعة والانضباط. وكان بين رجال المقاومة من امتلك خبرات فنية وعسكرية سخرها لخدمة الوطن، كما كان لكل رجل دوره الذي لا يقل أهمية عن الآخر، لأن نجاح أي عملية لم يكن يعتمد على المنفذ وحده، بل على سلسلة طويلة من الرجال الذين يعملون في صمت، ولا يعرف كثير منهم بعضهم بعضا ومع مرور الأيام بدأت عمليات المقاومة تؤتي ثمارها وأصبحت تحركات قوات الاحتلال تحت المراقبة، وبدأت الضربات الموجعة تصل إليهم في أكثر من موقع، الأمر الذي أربك القيادة العراقية ودفعها إلى استنفار أجهزتها الأمنية. ومنذ تلك اللحظة لم تعد المعركة بين جيش يحتل أرضا وشعب يرفض الاحتلال فقط، بل أصبحت أيضا معركة عقول بين تنظيم يعمل في الخفاء، وأجهزة مخابرات تملك كل الإمكانات وتسعى للوصول إلى رجاله مهما كان الثمن.
مرحلة أكثر تأثيراً
وبين انه مع اتساع رقعة العمل، لم تعد المقاومة تكتفي بجمع المعلومات أو نقلها، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تأثيرا، كنا نؤمن بأن الاحتلال يجب أن يشعر بأنه مهما أحكم قبضته على الأرض، فلن ينعم بالأمن عليها. ولهذا بدأنا نخطط لعمليات تستهدف وجوده العسكري، مع الحرص قدر الإمكان على ألا يتعرض المدنيون لأي أذى وكانت كل عملية تسبقها أيام من الرصد والمتابعة. كنا نراقب تحركات الدوريات، وأماكن تجمع الآليات، ومواعيد تبديل الحراسات، وطبيعة المواقع التي يستخدمها الجيش العراقي ولم يكن القرار يتخذ بعجلة، لأن أي خطأ قد يعني فقدان رجال أمضوا أسابيع في الإعداد، أو كشف خلية كاملة وتولى عدد من رجال المقاومة تنفيذ العمليات الميدانية، مستفيدين من خبراتهم الفنية والعسكرية، ونفذت عمليات استهدفت تجمعات وآليات عسكرية عراقية في أكثر من موقع، وكان الهدف إرباك قوات الاحتلال، وإشعارها بأنها تواجه مقاومة منظمة تعرف ماذا تريد، وليست أعمالا فردية متفرقة.
ولفت إلى انه مع كل ضربة تنجح، كان الاحتلال يزداد قناعة بأن من يقف خلف هذه العمليات تنظيم يدار بعقل أمني محترف وبدأت أجهزة المخابرات العراقية تعيد قراءة كل حادثة تقع، وتربط بينها، وتبحث عن الخيط الذي يقودها إلى رجال المقاومة وعندها تغير أسلوبهم بالكامل وانتشرت نقاط التفتيش في مختلف المناطق، وازدادت حملات الدهم، وبدأت البيوت تفتش بيتا بيتا، ولم يعد الاعتقال يقتصر على من يحمل السلاح، بل طال كل من يشتبه في مساعدته للمقاومة أو إيوائه لأحد رجالها. كانوا يعتقدون أن التعذيب سيقودهم إلى كشف التنظيم، لكن ما لم يدركوه أن المقاومة بنيت منذ البداية على نظام الخلايا المنفصلة، بحيث لا يعرف الرجل إلا ما يخص مهمته، حماية لبقية إخوانه.
وزاد: ورغم ذلك، لم يكن أحد منا يعيش وهم أنه سيبقى بعيدا عن قبضة الاحتلال إلى الأبد كنا نخرج من بيوتنا كل يوم، ونحن نعلم أن احتمال العودة ليس مضمونا ولكن أحدا لم يتراجع، لأننا كنا مقتنعين أن الثمن الذي ندفعه مهما كان كبيرا، يبقى أقل من ثمن أن نستسلم لوطن محتل، وبدأت المخابرات العراقية تضيق الخناق شيئا فشيئا، وأصبحت تملك أسماء وصورا لبعض رجال المقاومة، وبدأت مرحلة المطاردة الحقيقية.. مرحلة لم يعد فيها الفاصل بين الحرية والأسر سوى خطأ واحد، أو وشاية، أو صدفة لم تكن في الحسبان. ولم يطل الأمر حتى أدركت القيادة العراقية أن ما تواجهه لم يكن تحركات فردية أو ردود أفعال متفرقة، بل تنظيما يعمل وفق خطة واضحة وكانت الضربات تأتي من أماكن مختلفة، وفي أوقات يصعب توقعها، وتختفي آثار منفذيها قبل أن تصل إليهم الدوريات وعندها أصدرت أجهزة الاستخبارات أوامرها بتشكيل فرق خاصة لملاحقة رجال المقاومة، وجندت لذلك عناصر المخابرات والأمن والجيش، معتمدة على الاعتقالات الواسعة والاستجوابات القاسية أملا في الوصول إلى رأس التنظيم وكنا نغير أماكن اجتماعاتنا باستمرار، ونبدل وسائل الاتصال، ونتجنب أي تحرك يمكن أن يربط بين أفراد المقاومة، لكننا كنا نعلم أن المواجهة مع جهاز أمني كامل لن تستمر إلى ما لا نهاية. كان الاحتلال يملك الوقت والإمكانات، بينما كنا نملك الإيمان بعدالة قضيتنا، والقدرة على التضحية.
دائرة الاعتقالات
ومع اتساع دائرة الاعتقالات، بدأ عدد من رجال المقاومة يسقطون في قبضة الاحتلال. بعضهم اعتقل في نقاط التفتيش، وآخرون أثناء تنفيذ مهامهم، وآخرون بعد مداهمة منازلهم وكانت الأخبار تصلنا تباعا، وكان أكثر ما يؤلمنا أن نسمع عن رفيق وقع في الأسر ونحن لا نستطيع الوصول إليه أو إنقاذه، لأن أي محاولة متسرعة كانت قد تكشف بقية التنظيم وكل رجل كان يعلم أنه إذا اعتقل، فعليه أن يتحمل وحده ما سيواجهه، وألا يكون سببا في سقوط إخوانه ولهذا بني التنظيم منذ البداية على أن يعرف كل فرد قدرا محدودا من المعلومات، فلا يستطيع تحت أي ظرف أن يكشف البناء الكامل للمقاومة، حتى لو تعرض لأشد أنواع التعذيب، وكنا نتنقل بحذر، ونغير أماكن وجودنا باستمرار، لكننا لم نكن نعيش هاجس الهرب. وكنا مقتنعين أن من يختار طريق المقاومة يجب أن يكون مستعدا لدفع ثمن اختياره، سواء كان ذلك بالاستشهاد أو الاعتقال. لم يكن خوفنا على أنفسنا، بل كان خوفنا الحقيقي أن تصل المخابرات العراقية إلى بقية الرجال، وأن ينهار التنظيم الذي بذلنا وقتا وجهدا كبيرا في بنائه.
بداية مرحلة الأسر
وأردف الدوسري قائلا: في لحظة واحدة وجدت نفسي محاطا بقوات الاحتلال، ولم يكن أمامي مجال للمواجهة أو الفرار وكنت أعلم أن الاعتقال بالنسبة لهم ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن ما ينتظرني في غرف التحقيق سيكون أصعب بكثير من لحظة القبض نفسها. ومع ذلك، كان في داخلي يقين واحد «قد يستطيعون أن يقيدوا الجسد، لكنهم لن ينتزعوا مني ما آمنت به، ولن أجعل من اعتقالي سببا في سقوط رجال ما زالوا يقاومون داخل الكويت».
وكنت أعلم أن هذه اللحظة ستأتي، لكنني لم أكن أعلم متى ومنذ الأيام الأولى للمقاومة كنا نعيش على قناعة أن طريقنا إما أن ينتهي بالنصر، أو بالشهادة، أو بالأسر ولذلك لم يكن الاعتقال مفاجأة بقدر ما كان محطة توقعناها جميعا، وأعددنا أنفسنا لها منذ اللحظة التي قررنا فيها البقاء في الكويت وبعد أن اشتدت ضربات المقاومة، تغير أسلوب الاحتلال بالكامل. لم تعد حملات التفتيش عشوائية، بل أصبحت تعتمد على المعلومات التي يجمعونها من التحقيقات، وعلى متابعة كل خيط يمكن أن يقودهم إلى رجال المقاومة. كانت المخابرات العراقية تتحرك ليلا ونهارا، وتداهم البيوت، وتراقب الهواتف، وتتابع السيارات، حتى تحولت الكويت كلها إلى ساحة مطاردة مفتوحة، مضيفا: حين جاءت لحظة اعتقالي، لم أفكر في نفسي بقدر ما فكرت في الرجال الذين ما زالوا خارج السجن. كان همي الوحيد ألا يصلوا إليهم بسببي، وألا ينهار التنظيم الذي عملنا على بنائه منذ الأيام الأولى للاحتلال.
وحول رحلة التحقيق الأصعب قال الدوسري: بدأت رحلة التحقيق منذ اللحظة الأولى وكانوا يظنون أن التعذيب قادر على انتزاع كل شيء، وأن الألم كفيل بأن يجعل الإنسان يتخلى عن وطنه ورفاقه وتنقلت بين غرف التحقيق، وتوالت الأسئلة نفسها بصيغ مختلفة: من معك؟ من يقود المقاومة؟ أين تجتمعون؟ من يمولكم؟ وأين تخزنون السلاح؟ وكانوا يريدون أسماء الرجال، بينما كنت أرى في كل اسم أمانة لا يجوز أن تخرج من لساني وكنت أعلم أن كلمة واحدة قد تفتح أبواب بيوت آمنة، وتقود إلى رجال ما زالوا يقاتلون بصمت داخل الكويت ولهذا كان الصمت أحيانا أقوى من أي جواب.
لم تكن أيام التحقيق سهلة والتعذيب كان جزءا من برنامج يومي، والتهديد بالإعدام حاضرا في كل لحظة، لكن أكثر ما كان يخفف عني أنني كنت أعلم أنني لست وحدي وكان هناك رجال من المقاومة يعيشون المحنة نفسها، وكل واحد منهم يحمل في صدره القناعة ذاتها أن الوطن أكبر من الألم، وأن الحرية لا تشترى إلا بالتضحية وبعد انتهاء التحقيقات، نقلنا مع عدد من إخواننا إلى العراق، وهناك بدأت مرحلة جديدة من المعاناة داخل السجون، بعيدا عن الأهل،، لكن قلوبنا بقيت معلقة بها وكنا نتابع الأخبار بأي وسيلة ممكنة، ونعيش على أمل أن يأتي اليوم الذي نسمع فيه أن علم الكويت عاد يرفرف فوق أرضها من جديد.
مأساة «أبو غريب»
واستطرد قائلا: بعد انتهاء التحقيقات، نقلنا إلى العراق مع عدد من إخواننا من رجال المقاومة وتركنا خلفنا الكويت وهي ترزح تحت الاحتلال، ولم يكن معنا سوى الدعاء والأمل وكنا نعلم أن أهلنا لا يعرفون مصيرنا، كما أننا نحن أيضا لا نعرف ماذا يجري في وطننا إلا من شذرات أخبار تصلنا خفية، أو من همسات أسرى جدد يدخلون السجن وفي سجن أبو غريب، فقد الإنسان اسمه، وأصبح رقما بين مئات الأسرى وكان السجن يريد أن يكسر الإرادة قبل الجسد، لكن ما كان يربطنا بالكويت كان أقوى من جدران الزنازين، كنا نتقاسم لقمة الخبز، ونشد من أزر بعضنا، ونردد أن هذه المحنة ستنتهي مهما طال الزمن.
ومرت الأيام ثقيلة، وكل يوم يشبه الذي قبله، حتى جاء اليوم الذي تبدل فيه كل شيء ووصلتنا الأخبار بأن قوات التحالف تتقدم، وأن الاحتلال بدأ ينهار. لم نكن نملك وسيلة لنعرف الحقيقة، لكننا كنا نتمسك بأي خبر يصل إلينا، لأن الكويت كانت حاضرة في كل نبضة من قلوبنا.
تحرير الكويت
وزاد: في تلك اللحظة لم أشعر أن أبواب السجن اختفت، لكنني شعرت أن الوطن عاد حرا وسجدنا لله شكرا، وبكى رجال لم أرهم يبكون طوال أشهر التحقيق والتعذيب. لم تكن دموع ضعف، بل دموع رجال عاشوا أصعب أيام حياتهم وهم يحلمون بهذه اللحظة وبعد أيام أبلغنا بالإفراج عنا خرجنا من السجن بأجساد أنهكها الأسر، لكن بعزيمة لم يستطع السجن أن يمسها. كانت خطواتنا نحو الحرية تحمل معنا وجوه الأسرى، وكل من ضحى من أجل أن تبقى الكويت وطنا حرا وحين عدت إلى الكويت، لم أشعر أنني أعود إلى مكان غبت عنه، بل إلى جزء من روحي. رأيت علم الكويت يرفرف من جديد، واستحضرت في تلك اللحظة كل من ضحى من أجل هذا الوطن، وكل من قدم روحه أو حريته حتى تبقى الكويت عزيزة حرة.
واختتم قائلا: اليوم، وبعد مرور السنوات، كلما سألني أحد عن المقاومة، أقول إن بطولتها الحقيقية لم تكن في عملية واحدة، ولا في اسم واحد، ولا في موقف واحد والمقاومة كانت شعبا كاملا رفض أن ينكسر. رجالا ونساء، شبابا وشيبا، عسكريين ومدنيين، اجتمعوا على هدف واحد أن تبقى الكويت للكويتيين، وأن يعود علمها مرفوعا مهما طال الاحتلال ولو عاد الزمن إلى فجر الخيانة لاتخذت القرار نفسه، ولبقيت في الكويت، وسلكت الطريق ذاته، مهما كان الثمن.