واشنطن ـ أحمد عبدالله والوكالات
ذهبت نشوة قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وطفت على السطح التساؤلات حول طريقة مقتله وأسلوب دفنه اللذين أثارا الكثير من الانتقادات. وإزاء ذلك تتردد ثلاثة أسئلة كبيرة في واشنطن الآن. السؤال الاول يتعلق بلحظات المواجهة بين بن لادن وفريق القوات الخاصة الاميركية مساء الاحد الماضي. والسؤال الثاني يركز على أبو أحمد الكويتي الذي قيل انه الخيط الذي قاد لبن لادن. اما السؤال الثالث فانه يتصل بطرق الاستجواب التي أدت الى جمع خيوط كافية نسجت في نهاية المطاف الشبكة التي وقع فيها بن لادن ومن ثم ادت الى ما ادت اليه.
وبشأن السؤال الاول فقد كان لافتا للنظر ان البيت الابيض غير روايته حول ظروف مصرع بن لادن خلال 24 ساعة فقط. ففي يوم الثلاثاء أعلن الناطق باسمه جاي كارني ان ما حدث يتلخص في ان بن لادن كان في غرفة في الطابق العلوي. وقد خاضت القوات الخاصة معركة عنيفة مع بعض مقاتلي القاعدة في الطابق الارضي ثم تقدمت بعد ذلك الى الطابق العلوي حيث دخلت غرفة كان بن لادن وزوجته بها. واضاف «وقد دفعت الزوجة افراد القوات الخاصة بعيدا عن بن لادن واصيبت في ساقها الا انها لم تمت. وقد اطلق الرصاص على بن لادن بعد ذلك ومات. وهو لم يكن مسلحا».
وقال كارني ان كون بن لادن غير مسلح لا يعني انه كان مستعدا للاستسلام وان المشهد بصفة عامة كان مشهد عنف اذ كان هناك اطلاق نار كثيف في ارجاء اخرى من المنزل وان رجال القوات الخاصة لم يكونوا على علم بما اذا كان بن لادن او الآخرون يرتدون احزمة ناسفة.
وتختلف هذه الرواية مع ما قاله مستشار الرئيس لشؤون مكافحة الارهاب جون بيرنان الذي ابلغ الصحافيين قبل ذلك بيوم واحد بأن «بن لادن اشتبك في معركة مع من اقتحموا المنزل». وقال بيرنان ان بن لادن اتخذ من زوجته درعا بشرية واقية وهو امر كذبته وزارة الدفاع بعد ذلك. وفسر البعض ذلك التناقض بعد ذلك بقولهم ان هناك امرأة اخرى قتلت في المنزل وان ذلك ادى الى الاستنتاج الخاطئ الذي قاله بيرنان.
كيف اذن تسنى للقوات الخاصة قتل شخص اعزل لم يقل احد انه اظهر أي مقاومة للاعتقال؟. السؤال يقلق منظمات حقوقية اميركية ودولية كثيرة ومن غير المتوقع ان يتلاشى وحده بقدرة قادر. ولهذا السبب سارع واحد من ابرز القانونيين الذين يعملون بالادارة وهو جون بيلينغر محامي مجلس الامن القومي الاميركي الى القول «لو كان قد رفع يديه مستسلما او كان مغشيا عليه او فاقدا للوعي لحظة المواجهة لكان ذلك قد اثار اسئلة قانونية كثيرة. ولكنه لم يفعل. كما اننا نتحدث عن شخص بالغ الخطورة واذا كان قد قام بأي حركة لحظة المواجهة فان هناك مبررا لقتله».
أما السؤال الثاني فيتعلق بذلك الكويتي الغامض أبو أحمد. فالسلطات الباكستانية لم تعلن عن العثور على جثته. والروايات الاولى لما حدث تشير الى ان «المعركة العنيفة» التي دارت في الطابق الارضي خاضها ـ من طرف بن لادن ـ اثنان فقط هما صاحب البناية الذي عرف باسم اكبر وشقيقه. واذا كانت السلطات الباكستانية لم تعلن عن اكتشاف جثمان أي كويتي فأين ذهب أبو احمد اذن؟
هل اعتقل الكويتي الغامض قبل اقتحام البناية وجرى استجوابه للتحقق من شخصية من يعيشون خلف تلك الاسوار المرتفعة؟. ثم هل يمكن ان يكون ابواحمد قد تعاون مع الاميركيين وظفر بـ 25 مليون دولار بدلا من ان يظفر بالشهادة؟. ولماذا اذن تصر المخابرات المركزية على ان احدا لم يكن يعرف على وجه اليقين ان بن لادن بالداخل؟.
والخيط الاساسي في اي محاولة للاجابة عن تلك الاسئلة هو ذلك الخيط الذي يبدأ مما اذا كانت المخابرات المركزية واثقة من ان بن لادن هو حقا بداخل البناية. الرواية الرسمية كما هو معروف تقول ان واشنطن لم تكن واثقة من ذلك. ولكن هناك من يشككون في ذلك. إذ كيف تسنى عقد اجتماعات رفيعة المستوى واستدعاء الرئيس وتردده ثم اجتماعه مع اعضاء فريق الامن القومي بالادارة حول شاشات تلفزيونية كبيرة توضح مسار العملية دقيقة بدقيقة لاقتحام منزل من غير المعروف ما اذا كان بن لادن بداخله اصلا؟. هل يتابع كل هؤلاء اي محاولة للتحقق من وجود شخص ما في بناية ما بمكان بعيد؟.
في هذا السؤال اذن هناك عدد من علامات الاستفهام حول مصير ابواحمد او جثمانه لو كان قد قتل. وسوف يجاب عن تلك الاسئلة جميعا لو قامت السلطات الباكستانية
بتسليم جثامين الضحايا لعائلاتهم وساعتها سيتبين ما اذا كان ابواحمد قد «انتقل» الى الضفة الاخرى في المواجهة بين بن لادن وخصومه ام انه انتقل الى العالم الآخر.
اما السؤال الثالث فانه يتصل بأساليب الاستجواب التي مكنت المخابرات المركزية من جمع كل تلك المعلومات عن نشطاء القاعدة ولاسيما الدائرة اللصيقة ببن لادن ومن ثم مكنتها في نهاية المطاف من الوصول الى زعيم القاعدة وقتله.
من جهة أخرى،حسمت الإدارة الأميركية موضوع نشر صور جثة بن لادن، وقرر الرئيس الأميركي عدم الكشف عنها بحسب شبكتي «إن.بي.سي» و«سي.بي.اس» التلفزيونيتين.
وكانت تقارير اخرى اشارت الى ان نشر الصور لايزال خاضعا للنقاش داخل الادارة بسبب الاثر النفسي الذي يمكن ان تحدثه لاسيما ان الصورة التي يظهر فيها وجه بن لادن على نحو يمكن التعرف عليه هي صورة بها جرح غائر فوق العين اليسرى مزق جزءا كبيرا من الجبهة ويبدو فيها الوجه وقد غطته الدماء.
وقالت شبكة «سي.ان.ان» ان مسؤولا بالادارة قال ان الصور التي لدى الادارة لجثمان بن لادن تنقسم الى عدد من المجموعات. المجموعة الاولى تضم صورا للجثمان بعد نقله ووضعه في ثكنة في افغانستان. ووصفت تلك الصور بأنها «فظيعة» وبان واحدة منها فقط هي التي تظهر الوجه بصورة واضحة.
اما المجموعة الثانية فإنها تصور عملية الدفن في البحر وتبدأ بصورة تصور لف الجثمان بالكفن. وهناك مجموعة ثالثة تصور عملية اقتحام البناية التي كان زعيم القاعدة يختبئ بها كما تصور ابن بن لادن بعد مقتله وجثمان الشقيقين اللذين يملكان المنزل وصور لغرف البناية.
ونقلت الشبكة عن مسؤول اميركي قوله ان الصور على وجه الاجمال يمكن ان تكون مؤلمة للبعض في العالم وان الادارة تبحث الجدوى من نشرها على الرغم من ان الرئيس اوباما يميل الى نشر صورة واحدة على الاقل لدحض الشائعات التي تشكك في مقتل زعيم القاعدة. وقال المسؤول «لا اعرف مدى ملاءمة الصورة للصفحة الاولى في الصحف او في مقدمة نشرات الاخبار التلفزيونية. انها صورة مروعة».
وكان ليون بانيتا مدير المخابرات المركزية الاميركية قد صرح في مؤتمر صحافي مقتضب اول من امس بأن بن لادن لم يقاوم عملية الهجوم كما اشيع من قبل. وأدى ذلك الى افتراضات بأن رجال القوات الخاصة الاميركيين قتلوا زعيم القاعدة رميا بالرصاص دون ان يبدي مقاومة لهم.
ودفع ذلك بمفوض الامم المتحدة لحقوق الانسان نافي بيلاي الى مطالبة واشنطن بتقديم كل تفصيلات العملية الى المنظمة الدولية لبحث ما اذا كانت القوات الخاصة خرقت القوانين الدولية التي تنظم عمليات اعتقال المطلوبين في العالم. وقالت بيلاي ان بن لادن ارتكب جرائم وحشية ضد الانسانية ولكن ذلك لا يبرر خرق القانون خلال اعتقاله.
وتعرض الرئيس اوباما للانتقاد ليس بسبب قتل بن لادن ولو لم يبد مقاومة للاعتقال ولكن لانه ابدى ترددا في القيام بالعملية. وقال مسؤولون مقربون من الرئيس لاجهزة اعلامية ان اوباما تلقى تأكيدا من محللي المخابرات المركزية بان نسبة ترجيح وجود بن لادن في البناية التي كان يختبئ بها تتجاوز الـ 80% وانه بالامكان القيام بالعملية والامتناع عن قتل من يعيشون داخل البناية اذا لم يقاوموا الاعتقال.
وقال احد المسؤولين «بعد رفع التقرير الى الرئيس خلال اجتماع لمجموعة الامن القومي ذهل الحضور حين قال الرئيس انه يحتاج الى المزيد من الوقت قبل اعطاء اشارة البدء للعملية. وبعد ذلك مباشرة انصرف الرئيس من الغرفة دون ان يسمح لاحد بالتعليق. ومضت 16 ساعة قبل ان يقرر الرئيس في نهاية المطار ووسط انتظار حارق للاعصاب من قبل مسؤولي الامن القومي ان يعطي الامر ببدء العملية».