Note: English translation is not 100% accurate
في الجزء الثالث والأخير من الحوار مع الأمين العام لرابطة علماء المسلمين
د.العمر: الشباب هم مفجرو ثورات الربيع العربي لأن عقول الكبار لم تتحرر من مجاورة الطغيان
9 مايو 2012
المصدر : الأنباء


لابد من تناغم بين قوة الشباب وحماستهم وعلم الشيوخ وحكمتهم وبعد نظرهم
التفجيرات التي وقعت في بعض البلاد وخصوصاً في المملكة ودول الخليج خطأ كبير وأبعد ما تكون عن الجهاد
أقول للعلماء: افتحوا قلوبكم للشباب.. ونطالب الشباب بالرفعة بمشايخهم وعدم الإساءة لهم
بمقدار الاستمساك بالمنهج الصحيح تتحقق النجاة من الفتنحوار: أمير سعيد
في الجزء الثالث من حوار «رابطة الشريعة» مع رئيس مؤتمر الحملة الإسلامية لنصرة سورية والأمين العام لرابطة علماء المسلمين د.ناصر بن سليمان العمر، يتحدث عن أخلاقيات الاستبداد ونصائحه للشباب في مسألة التعصب وكيفية الوصول للحق والحقيقة في الأجواء الملتبسة. فإلى تفاصيل الجزء الثالث والأخير من الحوار:
توصيات
كنت أتحدث عن أخلاقيات الاستبداد أو طبائع الاستبداد، كما يقولون وأنها ربما أثرت في الشعوب، وقد نرى مثلا في مصر الآن أن الشباب المتدين الطيب قد تأثر بأشياء من هذا القبيل، فأصبح لديه نوع من التعصب وهو يمارس السياسة، يتعصب لمرشح ما أو حزب ما، فما توجيهكم لهم إذ ربما تجاوزوا الحدود الشرعية؟
٭ هذه حقيقة نقطة مهمة جدا، أنت الآن فتحت موضوعا آخر، الشعوب إذا حكمت بغير حكم الله جل وعلا دخلت على نفوسها وقلوبها مؤثرات يصعب أن تنفك عنها، خذ مثلا من أكثر ما في القرآن ذكر موسى عليه السلام في حيز مما ركز عليه القرآن أنه الاستبداد الذي حصل على بني إسرائيل، المشكلة أنه غير في تركيبتهم، في طبيعتهم، في تفكيرهم، حتى بعد أن حررهم الله جل وعلا من فرعون، وقادهم موسى بقيت رواسب الاستعباد التي فعلها فرعون لم يتخلصوا منها، نجد أول شيء بعد إغراق فرعون قولهم: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) [الأعراف: 138].
وبدل أن يكونوا أكثر التصاقا بالتوحيد إذا هم يبادئون بهذا الأمر ـ يفاجئون موسى بهذا الأمر ـ ولذا كان رد موسى عظيما جدا على هذه الدعوة التي هي غير متوقعة، تصور أن الذين أخلصهم موسى للقاء ربه لقوا الله جل وعلا، وهم الصفوة، هؤلاء الخلص من بني إسرائيل سبعون فقط، ولما جاء التيه ـ طبعا قد نقول مات بعضهما اثنين او ثلاثة او خمسة لكن قطعا بقي عدد كبير، لأن التيه قليل جدا للتجاوز ـ يقول موسى لهم في دعوته يا قوم، أي يدعوهم للأرض المقدسة التي كتب الله لهم ومع ذلك تكون النتيجة: (فاذهب أنت وربك فقاتلا) [المائدة: 24]. قال العلماء: «لم يقل هذا رجلان فقط من السبعين» هؤلاء السبعون كانوا الخلاصة، السبعون يقولون هذا الكلام، من أين؟ من أثر التربية والاستعباد الذي عاشوه في زمن فرعون، ما الحل؟
٭ الحل أن ينتهي هذا الجيل كاملا الذي تربى على الاستعباد، ورضي عن الاستعباد ولم يقاوم فرعون بأي مقاومة تذكر، لاحظ لم يذكر الله أن بني إسرائيل أيام فرعون قبل موسى قاوموا فرعون إنما استسلموا له ويتأوهون ويبكون، لابد ينتهي هذا الجيل أربعين سنة معروف في التاريخ أن تنهي جيلا، وتأتي بجيل جديد، خلال الأربعين سنة نشأ جيل جديد، ولذلك أمر الله لحكمة بقاء موسى وأخيه هارون معه ليربي هذا الجيل الجديد، فلم يأذن الله لهم، لم يأذن بالهجرة كما يهاجر الأنبياء من بلاد الكفر، لأنهم مؤمنون في النهاية مسلمون لكنهم سماهم الله فاسقين: (فلا تأس على القوم الفاسقين) (المائدة: 26).
فلما توفي هارون عليه السلام ثم توفي موسى بعد ذلك عليه السلام، ثم حلفوا من هو أحد الرجلين قال ذاك الذي دعوا قومهما ـ كما تعلم ـ: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب) (المائدة: 23). هذا هم، لكن قال من قال جيلا جديدا لأن الجيل الذي قال اذهب أنت وربك فقاتلا إما مات فعلا أو أصبح كبيرا في السن لم يعد له أثر، نشأ جيل جديد ومع ذلك لاحظ حتى هذا الجيل الجديد قبل فتح بيت المقدس يقول لهم يوشع بن نون: «ثلاثة لا يتبعوني، رجل، تزوج بامرأة عقد عليها ولما يدخل بها، رجل عنده غنم ينتظر ولادتها، رجل رفع بيتا ولم يرفع سقفه» لأنه لايزال في قلبه تعلق بالدنيا يريد أناسا خلصا وإن كانوا قلة في مجموعهم، فهؤلاء الذين فتح الله بهم بيت المقدس.
نعم الآن لاتزال لم تتحرر كثير من العقول، وإن تحررت من بعض الحكام الظلمة كما تعلم لكن بقيت روح الاستعباد فيهم ولها تأثير بلا شك، هؤلاء الآن الذين يريدون أن يقطفوا الثمرة، كثير منهم هم السبب في بقاء الظلمة، هؤلاء ثلاثين، أربعين سنة نعم فهم أيضا آثمون سيعاقبهم الله جل وعلا، لأنهم لم يكن لهم الدور الذي قام به أبناؤهم، الآن تلاحظ الثورات وإن كنت أستخدم هذا المصطلح من الذي قام بها هو جيل الشباب ليس جيل الكبار.
اطلعت على رسالة جاءتني بمناسبة سورية على لسان أحد الشباب، يقولون لآبائهم: «أنتم قدمتم ما استطعتم في السنوات الماضية، دعونا مع هذا النظام يكفينا أنكم لا تعرقلونا..» حقيقة هذه الرسالة كانت مؤثرة جدا، نعم لما ذهبت إلى الأردن وجدت أن الجيل فعلا يحارب بالجملة هم جيل الشباب، وقريب من جيل الشباب وهم الكهول طبعا كلمة الكهول الصحيح ليس كما يستخدمها الناس ليس الكبير العجوز، وإنما الكهل هو ما بين الثلاثين كما تعلم إلى الخمسين، وقريبا من ذلك هؤلاء الذين يقودون المعركة إذن الآخرون كبار السن قد يلحقون بهم في الأخير كما حدث في مصر عندكم.
لاحظوا في النهاية أنهم سيقطفون الثمرة أو في عدد من الدول لكن لم يكونوا هم المبادرين، بل كان ربما بعضهم يشكك هل معقول أن يذهب حسني مبارك؟ هل معقول أن يذهب زين العابدين؟ هل معقول أن يذهب القذافي؟ ماتت عقولهم لماذا؟ لأنها ترسخت كما أن النفس نتيجة ترسبات كثيرة أوصلت إلى هذه النهاية، كذلك الترسبات أحيانا تربوية وغيرها، أنا لا أقول هذا تثبيطا، ولكن دراسة علمية نفسية مهمة لمعرفة التعامل مع الناس، ولذلك تجد التجاوب مع الشباب والتعامل مع الشباب أقوى وأسرع وأحكم، لكن مع ضبطهم، لأن الشباب لديهم مع كل أسف اندفاع، فقد يرفضون بعض الحكمة، يحتاجون إلى حكمة من هو أكبر منهم، ومن هو أعلم منهم، حتى تتكامل الرؤية، لعلي استطعت أن أوضح الصورة في هذه المسألة.
نريد كلمة للشباب عن مسألة التعصب؟
٭ الحقيقة الشباب هم أمل الأمة، وهم الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتعاملوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة فيحتاجون مع هذه الثورة، إلى قوة إيمانية وحكمة في قلوبهم، لأن قلوبهم لم تتدنس بكثير مما تدنس بقلوب من سبقهم، لكن يحتاجون إلى العلم، يحتاجون إلى حكمة الكبار، وعندما أقول حكمة الكبار لا ينافي ما قلته سابقا من التزام الحكمة وعدم الاستعجال، لأن الشاب يا أخي الكريم عنده ثلاث نقاط مشكلة: هو عنده الاستعجال طبع بشري، عنده عدم اكتمال الرشد، لأن الله يقول عن موسى: (ولما بلغ أشده واستوى) (القصص: 14). الأربعين..
وقال عن يوسف: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما) (يوسف: 22). والأنبياء يبعثون على الأربعين، واستثنى الله إبراهيم عليه السلام: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) (الأنبياء: 51).
استثناء، وكذلك يحيى وكذلك عيسى هؤلاء استثناء، وذلك ميزة لهم، وقلة علم.
فنقول هنا: إنهم بهذا يحتاجون ما دمت لم أعرف هذه العناصر يعرف الشاب من نفسه الاندفاع وقلة العلم، لأنه مهما كان سنه لم يبلغ من العلم، فالعلم يحتاج لسنوات، ولا يعني أنه ليس راشدا. لا، لكن لم يكتمل الرشد لم يستو بعد إذن، أنت عندما ترى على عيني نظارة لماذا أنا لبستها؟ لقناعتي أنني بحاجة إلى نظارة، ربما أقول لك: إنني جلست سنوات بحاجة لنظارة ولم ألبسها، أقول لا لعلي لم أحتج إليها حتى وجدت أنني محتاج لها، الذي معه عصا ما يأخذه إلا بعد أن يصل إلى درجة أنه مقتنع لابد منه، إذا اقتنع الشباب إلى الاستواء واكتمال، أقول اكتمال العقل مع عقلهم ضروري، وهذا يكون بالتجربة وغيرها بحاجة إلى التهدئة من اندفاعاتهم التي تكون، بحاجة إلى العلم يرجعوا إلى الحكماء إلى العلماء إلى أصحاب التجارب، لكننا أيضا بحاجة إلى انطلاقتهم الحقيقة إلى ثورتهم، لأن الكبار أحيانا تكون حركتهم بطيئة.
فالتناغم بين الشباب وبين الجيل السابق المخلص الصادق هنا تكتمل أقول عليهم ان يلتصقوا بنا، لأن شبابنا هداهم الله وقعوا في إشكالات نحن في غنى عنها، مثلا التفجيرات التي وقعت في بعض البلاد بالذات في المملكة، ودول الخليج، من أول الأمر أقول هو خطأ كبير جدا جر الشباب وإليه غيرهم بدون تعقل وبدون حكمة، هذا ليس جهادا، هذا أبعد ما يكون عن الجهاد، وقد سببوا لنا مصاعب نحن لا نزال نعاني منها، مع أنني قلت في أول الأيام قبل عشر سنوات ستندمون، هم الآن نادمون العقلاء منهم لما كبروا، الذين قبل عشر سنوات كانت أعمارهم خمسة وعشرين أو ثلاثين أصبحوا في الأربعين أدركوا الخطأ، وقبل أيام كان معي أشخاص يناقشوني قالوا نعم أدركنا الخطأ لم نكن ندركه لما جاءتني التهم لا يهمني هذا، يهمني قناعاتي إذن. وقلت مرارا: إنني سئلت مرارا كيف نجوتم أنتم من الفتن، أنتم الآن أعمارنا بلغت الستين مررنا بمرحلة الشباب ومررنا بفتن في بلادنا وبلاد المسلمين، كيف نجونا منها وهي فتن عظيمة؟ قلت: نجونا منها لا شك بتوفيق الله جل وعلا وفضله ولا شك في هذا، ثم أخذنا بالأسباب منها أننا كنا نرجع للعلماء.
٭ ثانيا: أيضا نأخذ بأقوال العلماء إلا إذا وجدنا دليلا صحيحا، والدليل إذا وجد العلماء هم المعتبر فيه، فهذا نفعنا الله به فكنا نرجع إلى علمائنا ومشايخنا، ثم لا نعصيهم هناك من يرجع للعلماء لكن يعصي العلماء، سيقول رجعت ما فعلت شيئا إلا إذا كان الدليل واضحا، فالحكم هنا للدليل يا أخي الكريم حتى لا نتعصب لأفراد والمسألة واضحة، ولهذا كنت أقول للشباب منذ بدأوا التفجيرات في المملكة قلت: ائتوني بثلاثة علماء فقط من علماء الأمة المعتبرين، وليس فقط من علماء الخليج يؤيدونكم، وأنا معكم لكن بشرط من علماء الأمة المعتبرين، ما تأتيني بطالب علم وأنا مستعد أن آتيك بثلاثين أو أكثر من علماء الأمة المعتبرين يخالفونك في هذا المنهج.
إذن هل يمكن عقلا ومنطقا وشرعا أن يكون ما يستطيع أن يأتيني بثلاثة من علماء الأمة المعتبرين يوافقون على المنهج وأنا معي ثلاثون أو ثلاثمائة؟ اسمح لي أقول أكون مخطئا إذا خالفت منهجي وعقلي ومنطقي، الشباب الذين عرفوا هذه المعادلة استطاعوا أن ينجوا، فلابد من تناغم بين قوة الشباب وحماس الشباب وفورة الشباب وبين علم الشيوخ وحكمة الشيوخ وبعد النظر وعدم الاستعجال والله أعلم.
لكن لعل المشكلة في مصر وغيرها أن الأحداث متلاحقة وسريعة، وهناك فتن كثيرة، ولعلهم لا يجدون كثيرا من شدة الالتباس من يمتلك رأيا قويا مؤسسا لاسيما في القضايا السياسية المضطربة، فبماذا تنصحون في حالتها حتى وجود هذا الاضطراب؟
٭ حقيقة زرت بعض البلاد الإسلامية ـ ولن أسمي ـ وفوجئت ببلاد فيها علماء وفيها شباب، لا أقول فقط لاحظت عدم الرجوع للعلماء، اسمح لي إذا قلت لك وجدت فيها عدم الأدب مع العلماء، أنا من الممكن أن أخالف عالما مثلا بمخالفة شرعية، إما أن تكون مسألة اجتهاد أو معي دليل، لكن لا أخالف الأدب معه، ولذلك الصحابة ومن بعدهم يقولون «تعلموا الأخلاق والأدب قبل العلم» لأن العلم بدون أخلاق ليس علما في الحقيقة، لأنه خالف العلم نفسه، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق.
فأقول: نعم أعرف بعض الشباب عندهم علماء، لكن ربما العلماء يقصرون، وهنا لا يفهم أني أبرر للعلماء، بل أنا أقول وأضيف هذا السؤال كما قلت كلمة توجهها للشباب كلمة أوجهها للعلماء أن يفتحوا صدورهم للناس، أن يفتحوا صدورهم لهؤلاء الشباب، قد يجدون بعض الأخطاء بعض الاندفاعات بعض الإساءات اسمح لي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (السلسلة الصحيحة: 939).
فأقول للعلماء: عليكم أن تفتحوا قلوبكم للناس، مع الوقت الذي أطالب الشباب بالرفق بمشايخهم، وأيضا عدم الإساءة إليهم، والتعامل معهم بحكمة، أطالب العلماء بفتح صدورهم واللقاء مع الشباب، والنظر ماذا يريدون واستيعاب بعض التجاوزات التي تحدث منهم هنا نتكامل.
ومتى حدث انفصام في أي بلد من البلاد بين العلماء وبين الشباب هنا تحدث الكوارث، ولذلك أدرك الأعداء هذا الأمر فاستطاعوا أن يأخذوا مجموعة من الشباب ويربونهم بمعزل عن علمائهم، وتغسل أدمغتهم ثم يوجهونهم كما يشاءون، هنا حدث الخلل، أما إذا كان هناك الارتباط بين العلماء وبين الشباب، العلماء يقومون بدورهم ويتحملون ويفتحون قلوبهم وبيوتهم في الحدود التي يستطيعونها أيضا، ويرفقون بالشباب ويجعلون حياتهم معهم، لأن هم أمل الأمة وأمل المستقبل، فبهذا تتكامل الصورة، ونعم أمامنا فتن لكن النبي صلى الله عليه وسلم تركنا على البيضاء نعم والقرآن واضح: (فاستمسك بالذي أوحي إليك ـ الزخرف: 43).
المعركة يا أخي الكريم قلتها في قناة الجزيرة، وفي كل مكان، وأقولها اليوم المعركة معركة منهج، معركة المنهج تقتضي أن هناك خللا في فهم المنهج وفي تطبيق المنهج، فبمقدار الاستمساك بالمنهج الصحيح هنا يتحقق بإذن الله النجاة من الفتن، والنجاة على نوعين: «نجاة للمجتمع، للأمة» هذه نجاة مجتمعية أو أمة، و«نجاة فردية» بمعنى أنك إذا لم تجد كما في حديث حذيفة هذا لم يجد الإنسان في الأمة كلها أو في المجتمع، وهذا والحمد لله موجود، لكن أقول إذا لم يحدث فعلى الإنسان بخاصة نفسه ليسلم، ونحن لم نصل لهذه المرحلة والحمد لله.
فعلى المجتمع أن يتضافر لمواجهة الفتن، لمواجهة الابتلاءات لمواجهة المحن، وبإذن الله ستجد النصر والفأل، تفاؤلي حقيقة يا أخي الكريم لا يقف عند حد، تفاؤلي يزداد يوما بعد يوم، بل إن قلت: إن الأدلة التي يستخدمها اليائسون والمتشائمون هي أدلتي على النصر: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ـ يوسف: 110). إذن هي أدلتهم التي أوصلتهم، هي الدليل من القرآن، ويعقوب يقول لأبنائه في أصعب مرحلة مر بها: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله ـ يوسف: 87).
نعم نفس الدليل في سورة الأحزاب: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ـ الأحزاب: 10). كل الأدلة هي نفسها: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ـ الأحزاب: 21). موسى ما قال لما رأوا العدو من أمامهم والبحر من خلفهم، ما قال موسى: لا، ليس صحيحا هذا الكلام، بل هو فعلا العدو من خلفهم والبحر من أمامهم: (قال كلا إن معي ربي سيهدين ـ الشعراء: 62).
فهذا المنطلق الأعلى فإذا كان انطلاقكم سطحي نعم، أفقي، فأنا رأسي، انطلاق رأسي إلى الله جل وعلا، وهنا يكون باب التفاؤل، لأنه كلما اشتدت الأزمة كان قرب الفرج، لذلك فعلينا أن نبث التفاؤل، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي: «بشروا ولا تنفروا» (صحيح مسلم: 1732). أو «إنما بعثتم ميسرين» (سنن الترمذي: 147). فبهذا نستطيع أن نحافظ على الأمة. ومن أهداف رابطة علماء المسلمين الحقيقة تحقيق شيء من ذلك، لكن أريد أن أوضح نقطة أن رابطة علماء المسلمين ليست بديلا عن غيرها، إذا كان الباب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، إنما هي تتكامل مع غيرها وإذا وجد اختلاف مع اتحادات أو غيرها فأقول كلمة أرددها دائما: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ونتناقش ونتحاور فيما اختلفنا فيه، ولا أقول يعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه، كيف أعذره في خطأ صريح لا، إنما نتحاور، أنا لا أشك في أنه يريد الحق، فما دام يريد الحق فليحاورني فليجادلني إذا كان الحق معه أخذته، إذا كان معي فليأخذ به، نعم ونصل إلى نتيجة، لكن نتعاون فيما اتفقنا فيه.
مشكلتنا كلمة أقولها مرة أخرى: ان معرفتنا مع كل أسف بالفروق التي بيننا أكثر من معرفتنا بالنقاط الإيجابية، فالمفروض أن نعرف نقاط الإيجاب والتلاقي مع معرفة أيضا نقاط الاختلاف، فنقاط الإيجاب نفعلها تعاونا، ونقاط الاختلاف أيضا نتلافاها تحاورا وتجادلا ومناصحة، مع قول كلمة الحق، ولعل كان هناك نوع من التلاقي الكبير في الثورة السورية في بيان المائة وسبعة وبين الرابطة والاتحاد.
جزاكم الله خيراً
فهذا دور الرابطة وبإذن الله لنا أمل وننتظر ولا نريد كثرة الوعود، إنما نريد الحقائق تمشي على الأرض، هذا الذي أقوله، أما أسأل ماذا ستفعلون؟ الله أعلم نحن نجتهد ونحاول، إنما سترون الحقائق إذا ظهرت الحقائق على الأرض انظروها، أما إذا لم تظهر فقد يكون لدينا من الهمة ومن الحرص لكن لا يتحقق، لا نعلق الناس به وعود، لا نعلم متى تتحقق، فدائما إنما يكون التبشير والأمل والفعل الإيجاب والأمل بالله جل وعلا.
قضايا معاصرة
العلم الموروث عن الأنبياء الأشمل بعلم المصالح والمفاسد (2 ـ 2)
د.طارق الطواري
تحدثنا في الجزء الأول من المقالة «ولو كان في العلم دون التقى شرف.. لكان أشرف خلق الله إبليس» في 18 ابريل الماضي، عن سبب تجنب ابن آدم أحيانا ما فيه صلاحه وهما الجهل به وعدم الإرادة له لغلبة شهوة أو هوى في تركه، وفصلنا القول في ذلك في مبحثين الأول ما جاء في بيان جنس العلم الذي به نجاة العبد في الدنيا والآخرة، واليوم نتناول المبحث الثاني وهو في قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور ـ فاطر: 27-28).
قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره:
«فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف، وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم.
وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى الله تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها. ولهذا قال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فكل من كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته». اهـ.
قال الإمام ابن عاشور رحمه الله:
«والمراد بالعلماء: العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم في ذلك تقوى الخشية فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله، ذلك لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر، فهو يأتي ويدع من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصد شرعه، فإن هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان في حال المخالفة موقنا بأنه مورط فيما لا تحمد عقباه، فذلك الإيقان لا يلبث أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإقلاع أو الإقلال. وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن خشية العلماء». اهـ.
ثم ذكر الإمام رحمه الله قول الشيخ أبومحمد بن أبي زيد: «والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة».
أما الدليل الثالث: فقوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ـ الزمر: 9).
سياق الآيات كما قال تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور. وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار. أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ـ الزمر: 7-9).
قال الامام الطبري رحمه الله:
«وقوله: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيئها شرا؟ يقول: ما هذان بمتساويين». اهـ.
أما من الأحاديث:
فالحديث الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» - رواه الامام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فوجه الاستدلال بالحديث بعيد لأن لفظة «علم» جاءت نكرة مقيدة بوصف المنفعة: فهي في كل علم نافع، ولا خلاف أن الأنفع هو الأبقى ولا أبقى من خير الآخرة.
أما الحديث الثاني: ما روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء، وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا. قال: ما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به، أخذ بحظ وافر» (1).
ووجه الشاهد من الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم: «وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم» فقوله صلى الله عليه وسلم «العلم» معرفا بالألف واللام هو بيان للعلم الذي هو محل الثناء والموعود حامله وسالك طرق حمله بتيسير طريق إلى الجنة واستغفار من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء إلى آخر ما وعد الله تعالى، فهذا كله لحامل علم النبوة الذي علمه الله تعالى لأنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين، ثم علمه أنبياء الله تعالى أقوامهم من بعدهم، وأكمله وأتمه وأحسنه ما علمه نبينا صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة: 3).
فالمراد ختاما لهذا المبحث هو أن أشمل علم بالمصالح والمفاسد هو العلم الموروث عن الأنبياء فهذا هو جنس العلم الذي نقصده ونعنيه ونريده وهو المراد من العلم الذي أثنى الله ورسوله في غير ما موضع من كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على حامليه وناشريه والمجاهدين في تعلمه وحمله ونشره.