Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
العلاقات الأميركية ـ الخليجية بعد «كامب ديفيد» وحتى نهاية عهد أوباما.. شراكة تتآكل مع الوقت!
5 يونيو 2015
المصدر : بيروت ـ خاص
القمة الخليجية ـ الأميركية التي عقدت في كامب ديفيد الشهر الماضي، والتي وصفت بالتاريخية وغير المسبوقة، جاءت في سياق محاولات إدارة أوباما احتواء القلق الخليجي المتنامي إزاء تداعيات التوصل إلى اتفاق نووي نهائي مع إيران أواخر الشهر الجاري، حيث تخشى دول الخليج أن يؤدي رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران وإعادة أموالها المحتجزة في الولايات المتحدة إلى زيادة دعمها لحلفائها في كل من العراق وسورية واليمن ولبنان. كما تخشى هذه الدول أن يتركها الانكفاء الأميركي عن منطقة الشرق الأوسط مكشوفة أمام أي تغول إيراني محتمل، وخصوصا أن الاتفاق النووي النهائي سيبقي على الأرجح على البنية التحتية النووية الإيرانية. كما جاءت في سياق رغبة الدول الخليجية وخصوصا المملكة العربية السعودية تأسيس معادلة توازن قوى إقليمية جديدة بدلا من معادلة توازن القوى الحالية التي تعمل لصالح إيران، والسعي للحصول على التسليح والتدريب اللازمين بهدف إقامة توازن استراتيجي مع إيران.
لم يكن أحد من الطرفين يتوقع أن تبدد قمة كامب ديفيد الخلافات في وجهات النظر أو أجواء عدم الثقة، أو أن تسقط هواجس دول الخليج من مواقف الرئيس باراك أوباما حيال إيران، ومن مدى التزامه بمواقفه ووعوده وسياساته، سواء في العراق أو سورية أو اليمن، وبالتالي أن تتوحد الرؤى حيال الأزمات والقضايا التي تشغل المنطقة. في المقابل لم يكن أحد يتوقع أن تفشل اللقاءات في تحقيق الحد الأدنى من التفاهمات.
هذه القمة غير المسبوقة وغير العادية التي قادتها من الجانب الخليجي قيادات شابة كان لها دور بارز في وضع النقاط على الحروف فيما يخص أمن منطقة الخليج وما يحيط بها من مخاطر، انتهت إلى:
٭ انتزاع دول الخليج التزامات أميركية أكثر تحديدا حيال أمنها. فقد طمأنت إدارة أوباما الحلفاء الخليجيين بالتزامها أمنهم عبر ترتيبات أمنية وعسكرية متفق عليها، غير أن الضمانات التي قدمتها واشنطن في القمة لم تصل إلى درجة توقيع معاهدة للدفاع المشترك.فقد رفضت واشنطن فكرة التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة المدى مع دول مجلس التعاون الخليجي، وقد بدا واضحا أن هناك رفضا قاطعا لفكرة الالتزام المكتوب، أو الاتفاقية الرسمية للدفاع المشترك بين واشنطن والعواصم الخليجية، بحجة أن الأمر يحتاج إلى موافقة الكونغرس، والذي لن يوافق بسبب ارتباطات واشنطن الدفاعية في الشرق الأوسط وهمومها بالشرق الأقصى، والتذرع داخل إدارة أوباما بعدم الحاجة إلى الانغماس في الخلافات العربية الداخلية.وبالنسبة لأوباما فإن هدف الشراكة الجديدة بين أميركا ودول الخليج ليست تأييد مواجهة طويلة الأمد مع إيران ولا حتى تهميشها، لأن إنهاء التوترات في المنطقة وحل صراعاتها المدمرة يتطلب حوارا أوسع يشمل إيران وجيرانها في مجلس التعاون الخليجي. وهذا معناه أن دول الخليج مطالبة بأن تتكيف مع هذه الرؤية الأميركية للدور الإقليمي الإيراني وللعلاقات المطلوبة بين الدول الخليجية وإيران، أي أن تتحول إلى علاقات وفاق بدلا من علاقات الصراع.
٭ تطوير العلاقات بين الطرفين وبحث كيفية إحداث نقلة نوعية في العلاقات الاستراتيجية إلى مستوى مشابه لعلاقات الولايات المتحدة الاستراتيجية بحلف شمال الأطلسي، بمعنى منح دول الخليج وضع «حلفاء خارج حلف شمال الأطلسي»، وهذا لا يمنع من البدء في مرحلة طويلة وجديدة للاعتماد الخليجي على الذات، مع الحفاظ على مكاسب ما تحقق عبر عقود من الصداقة مع واشنطن، والمراهنة على أن العلاقات الخليجية الأميركية ستستمر استراتيجية بغض النظر عن سياسات الإدارة الحالية.
بعد قمة كامب ديفيد، هناك التزام أميركي رسمي في ثلاثة أمور جوهرية، هي:
٭ إعادة التأكيد على سياسة الولايات المتحدة باستخدام كل عناصر القوة لحماية المصالح الرئيسة المشتركة في منطقة الخليج، وردع ومواجهة أي عدوان خارجي ضد حلفائها وشركائها، كما فعلت في حرب الخليج، واعتبار هذا الالتزام أمرا لا يقبل التشكيك.
٭ التأكيد على أن اتفاقا شاملا يتيح الرقابة والتحقق ويبدد كافة المخاوف الإقليمية والدولية بشأن برنامج إيران النووي سيخدم المصالح الأمنية لدول مجلس التعاون والولايات المتحدة والمجتمع الدولي على حد سواء.
٭ الاتفاق على أن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون تعارض وستعمل معا للتصدي لأي أنشطة إيرانية تزعزع الاستقرار في المنطقة.
هذه «النتائج ـ المكاسب» يمكن البناء عليها لتعزيز مستويات التعاون المستقبلية في مختلف القضايا. لكن الفائدة الأهم من ذلك كله هي أن دول الخليج سجلت مكتسبات أساسية تمثل اعترافا دوليا، وليس أميركيا فقط، بأهمية قرارها المشترك خاصة بعد تجربتها الناجحة في «عاصفة الحزم»، وإقرارا أميركيا أن أي اتفاقيات مع أطراف إقليمية لابد أن تراعي مصالح دول الخليج وأمنها واستقرارها الجماعي، هذا بالإضافة إلى إضفاء المشروعية على المبادرات التي تقوم بها دول الخليج من جانب واحد لحماية أمنها الإقليمي، خصوصا إذا تطلب ذلك القيام بأعمال عسكرية خارج حدود دول المجلس.
وفي الخلاصة فإن الخليجيين والأميركيين يتفقون على الأهداف المتعلقة بالمسائل الأمنية والعسكرية، واستقرار المنطقة، ومواجهة النشاطات الإيرانية التي تشجع عدم الاستقرار. لكنهم يختلفون في الرؤية السياسية الناظمة لمثل هذه الأهداف.
وموقف الرئيس أوباما وإدارته تجاه المنطقة يشير إلى أن العلاقات الخليجية ـ الأميركية دخلت بالتوازي مع التحولات في المنطقة، مرحلة تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل احتلال العراق. من هنا لم يعد هم الخليجيين يتركز على البحث عن تطمينات في القمة، وإنما عن تفاهمات جديدة تعزز القدرات الذاتية للخليجيين بأن يكونوا هم المصدر الأول لحماية أمنهم ومصالحهم. وهو ما يتطلب ليس فقط شراء السلاح، ومنظومات صواريخ دفاعية، وتعاونا استخباراتيا، بل امتلاك القدرات العسكرية تكنولوجيا ومعرفيا، والبدء في مشاريع تصنيع لتلبية هذه الحاجة.
لكن هناك من يعتبر أن إدارة أوباما لا يعنيها في هذه المرحلة إلا التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران يجعلها شريكا في الحرب على تنظيم «داعش». وفي سبيل ذلك، فهي مستعدة للتغاضي، ولو لبعض الوقت، عن أنشطة إيران الأخرى المزعزعة للاستقرار في المنطقة العربية. وتسعى إدارة أوباما للحصول على مساعدة دول الخليج في إقناع الكونغرس بقبول هذه السياسة من جهة، كما تريد منها القبول بمهادنة إيران وعدم التصعيد ضد سياسات التغول التي تتبعها في المنطقة العربية. وفي الوقت نفسه، تريد إدارة أوباما إيصال رسالة ضمنية إلى الخليجيين بأن الدفاع عن مصالحهم وأمنهم يقع على عاتقهم، ويعتمد بشكل رئيسي على إمكاناتهم الذاتية، وأن دور الولايات المتحدة هو دور مكمل للدور الذاتي الخليجي.وفي هذا السياق، يمكن فهم حجم الاستياء الخليجي من سياسات إدارة أوباما في المنطقة، وفهم قلقهم تجاه مفاوضاتها مع إيران، وهو ما دفعهم الى أخذ زمام المبادرة بعيدا عن انتظار الضوء الأخضر الأميركي، كما جرى في اليمن.
ما حدث عندما زار الخليجيون واشنطن وكامب ديفيد هو أنهم وجدوا الرئيس الأميركي في كامل الانصباب على الأولوية الإيرانية وأن رسالته الأساسية كانت أنه لن يسمح لأي كان بتخريب الاستراتيجية الأساسية وهي: إيران.
لم يسمع أوباما لغة الحسم التي توعد بها الخليجيون. فهم لم يطالبوا، مثلا، بإنشاء مناطق منع حظر الطيران في سورية من أجل نقلة نوعية في دعم المعارضة السورية المسلحة المعتدلة. اكتفوا بالسماع من أوباما أن أولويته هي مواجهة «داعش» كيفما كان، وأن دعمه لقوى المعارضة المعتدلة لن ينتقل إلى مرتبة جديدة، وأنه لن يتورط.
رأي مستشاري أوباما هو أنه إذا كانت إيران و«الحرس الثوري» أو حزب الله الوسيلة لدحض «داعش»، فليكن.
وإذا كان الرئيس بشار الأسد هو الأداة، فليكن، باراك أوباما لن يتورط في حرب سورية، فليخض حزب الله الحرب مع «داعش» وليكن هلاكهما معا، ولينهك معهما الأسد ونظامه ولتتفتت سورية، واشنطن لا تبالي.
السياسة الأميركية نحو العراق، كما سمعها الخليجيون، هي أن الأولوية هناك أيضا لمواجهة «داعش» على أيدي أي كان. فإدارة أوباما قررت ألا تتنبه لأخطار تمكين «الحشد الشعبي» على أيدي إيران ليكون ميليشيات تابعة لها تعمل في أراضي العراق، ولذلك قررت واشنطن ألا تفهم أن «تسليم» الجيش العراقي الرمادي إلى «داعش» بلا مقاومة شرسة كان سيؤدي بالضرورة إلى استنجاد بالميليشيات الشيعية في معركة عاصمة الأنبار السنية.بكلام آخر، دخلت إيران الأنبار العراقية، ولهذا دلالات خطيرة.