Note: English translation is not 100% accurate
همسات رمضانية.. بقلم: د.وليد العلي إمام وخطيب المسجد الكبير
8 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
اذا بلغ العبد مشهد التقصير: علم أنه لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل فيه وسعه: فهو مقصر، وحق الله سبحانه عليه اعظم، وان الذي ينبغي له ان يقابل به مولاه من الطاعة والعبودية والخدمة: فوق ذلك بكثير، وان عظمة الله سبحانه وجلاله تقتضي من العبودية ما يليق بها، واعتبر بهذا المثال: وهو ما عليه خدم الملوك وعبيدهم، فهم يعاملونهم في خدمتهم بالاجلال لهم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح، بحيث يفرغون قلوبهم وجوارحهم لخدمتهم، أفلا يكون مالك الملوك ورب السموات والأرض اولى ان يعامل بذلك بل حقه ان يعامل باضعاف ذلك؟ فاذا شهد العبد من نفسه انه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريبا من حقه: علم تقصيره، ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار عن تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وان حاجته الى ان يغفر الله تعالى له تقصيره في العبودية، ويعفو عن تفريطه فيها اشد من ان يطلب من الله تعالى على عبوديته ثوابا، لان العبد لو وفى العبودية حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه ومفترضة بمقتضى عبوديته لله تبارك وتعالى وكون هذا العبد مملوكا لله سبحانه.
ان عمل العبد وقيامه بشؤون سيده: مستحق عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته لعده الناس أحمق وأخرق، هذا وليس هو عبد هذا الرجل ولا مملوك هذا السيد على الحقيقة، بينما هو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه، فعمل العبد وقيامه بحقوقه مستحق عليه بحكم كونه عبده فاذا اثابه عليه: كان ذلك مجرد فضل منه ومنة عليه واحسان اليه لا يستحقه العبد، ومن هنا يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله.قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل».
فأدنى نعم الله تعالى على عبده لو وضعت في احدى كفتي الميزان، ووضعت جميع اعمال العبد الصالحة في الكفة الثانية: لثقلت كفة النعمة وطاشت كفة الأعمال. واذا ضم هذا الحديث الشريف الى قول الله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) تبين ان المقصود بنفي دخول الجنة بالعمل: هو نفي دخول الجنة عوضا عن العمل المجرد عن القبول، والمقصود باثبات دخول الجنة بالعمل: هو اثبات دخول الجنة بسبب العمل الذي قبله الله تعالى برحمة منه وفضل.
فالعمل الصالح الذي ابتغى به العامل وجه الله تعالى واتبع فيه هدي رسوله صلى الله عليه وسلم كان سببا لادراك رحمة الله تعالى للعامل، وبلوغ فضل الرب بقبول العمل فكان دخول الجنة في الحقيقة برحمة من الله تعالى وفضل وكان العمل الصالح سببا لذلك.
لذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «يخرج للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه حسناته، وديوان فيه سيئاته، وديوان النعم التي انعم الله عليها بها، فيقول الرب تعالى لنعمه: خذي حقك من حسنات عبدي، فيقوم اصغرها فتستنفذ حسناته كلها، ثم تقول: وعزتك ما استوفيت حقي بعد، فاذا اراد الله ان يرحم عبده وهبه نعمه عليه، وغفر له سيئاته وضاعف له حسناته».
وهذا يدل على كمال علم الصحابة رضي الله عنهم بربهم، ومعرفتهم بحقوقه عليهم، وفي هذا الأثر من العلم والمعرفة: ما لا يدركه الا أولو البصائر العارفون بالله تعالى واسمائه وصفاته وحقه، وهذا الأثر يعين على فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو ان الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه: لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم: كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم».