Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم: خالد الخراز
8 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
الأسوة الحسنة (1-2)
عاش صلوات الله وسلامه عليه يبلغ رسالة الإسلام ويبين الطريق إلى الله في رفق وحكمة وتؤدة، داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فكان المثل الأعلى في الأدب والكمال، والمثل الأعلى في عظمة الأخلاق في كل جانب من جوانب الحياة.
ومن أجل عظمة الأخلاق العالية، كان صلوات الله وسلامه عليه أسوة كريمة وقدوة حسنة، مثلا أعلى للمؤمنين الذين صفت أرواحهم، وزكت نفوسهم، وطهرت قلوبهم، واطمأنت أفئدتهم، واستنارت ألبابهم، فعاشوا في دنياهم العابرة الفانية يريدون الله والدار الآخرة، يجمعون الزاد لدار البقاء في جنة الفردوس مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
اتخذوا السبيل إلى الله، وجعلوا الهادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، والقدوة المباركة، للوصول إلى هذه الغاية المنشودة، والسعادة العظمى.
عاش صلوات الله وسلامه عليه حياته المباركة كلها هاديا، فملأ الدنيا نورا وخيرا، ورحمة وعدلا، ثم ودعها راحلا إلى الله تعالى بعد أن بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، وبلغ الرسالة على أحسن صورة عرفتها البشرية جمعاء.
وبما أن الأسوة الحسنة هي الاقتداء بأهل الخير والفضل والصلاح في كل ما يتعلق بمعالي الأمور وفضائلها، من القوة والحق والعدل، فقدوة المسلمين الأول رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول- عز وجل: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا - الأحزاب: 21).
ومن دقيق المعاني في هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه جعل الأسوة في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحصرها في وصف خاص من أوصافه، أو خلق من أخلاقه، أو عمل من أعماله الكريمة، وما ذلك إلا من أجل أن يشمل الاقتداء أقواله وأفعاله وسيرته كلها صلى الله عليه وسلم، فيقتدى المسلم به صلى الله عليه وسلم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويقتدى بأفعاله وسلوكه من الصبر، والشجاعة والثبات، والأدب وسائر أخلاقه، كما يشمل الاقتداء جميع درجات الاقتداء من الواجب، والمستحب، وغير ذلك مما هو محل الاقتداء.
وقضية القدوة والاقتداء من المسائل المهمة في بناء الأمم والأجيال، وتنقل التجارب والعلوم والأخلاق، ويتصل اللاحق بالسابق بهذه القدوة، والله سبحانه وتعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين - يوسف: 108)، والنبي صلى الله عليه وسلم طبعا كان خلقه القرآن وقص الله عليه قصص أنبياء كثيرين، وقال سبحانه: (فبهداهم اقتده - الأنعام: 90).
فاقتداؤه صلى الله عليه وسلم بالأنبياء أمر طبيعي، ومن باب أولى يتوجب علينا أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم وهو على خلق عظيم، وهذا ما يفهمه الصحابة في الاقتداء به في عبادتهم وسلوكهم وكل شأن من شؤونهم.
عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم خرج إلى الصفا» وقد قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة - الأحزاب: 21)» رواه البخاري 1627.
وعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: «بينما أنا أمشي بالمدينة، إذا بإنسان خلفي يقول: «ارفع إزارك، فإنه أتقى وأبقى» فإذا هو رسول الله فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحاء، قال: «أما لك في أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه» رواه الترمذي في «الشمائل المحمدية» بسند صحيح.
وأفاد عبيد بن خالد بأنه كان يوما يمشي بالمدينة ففاجأه إنسان من خلفه يقول له: ارفع إزارك فإنه أتقى، أي أقرب للتقوى للبعد عن الكبر والخيلاء، وأبقى من تعلق نجاسة تلوثه. فتبين له أن المتحدث هو رسول الله، فأشار إلى أنه إنما يرتدي بردة ملحاء أي سوداء ليست فاخرة يلبسها الأعراب، وكأنه يقول: إن هذا الثوب لا اعتبار به، ولا يلبس في المحافل والمجالس، وإنما ثوب مهنة لا ثوب زينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أليس لك في أسوة واقتداء واتباع؟! ومراده طلب الاقتداء به وإن لم يكن في تلك البردة خيلاء سدا للذريعة.
أخي الودود: إن من الوسائل المهمة جدا لجذب الناس إلى الإسلام، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، القدوة الطيبة التي يتمثل بها المسلم من خلال الأفعال الحميدة، والأخلاق الزاكية، ما يجعله أسوة حسنة لغيره، فيقبلون عليه، لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام وحده.
فالقدوة الحسنة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام، يستدل بها سليم الفطرة راجح العقل من غير المسلمين على أن الإسلام حق من عند الله، وشتان بين القول والعمل.
ولقد استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل الله ثم تلك القدوة أن يحمل معاصريه قيم الإسلام وتعاليمه وأحكامه، لا بالأقوال فقط، وإنما بالسلوك الواقعي الحي.