Note: English translation is not 100% accurate
«أسئلة رئاسية» على هامش الحوار الوطني اللبناني
12 أغسطس 2016
المصدر : بيروت

على مدى 3 أيام تابع اللبنانيون جلسات الحوار الوطني التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري للتوافق حول آليات للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات. لكن وعقب الأيام الـ3 تم تأجيل جلسات الحوار إلى مطلع الشهر المقبل دون أي تقدم يذكر فيما يتعلق بالاستحقاقات الدستورية. فماذا يأمل المتحاورون من الجولات المقبلة؟ وما تأثيرها على الاستحقاق الرئاسي، وفي المقابل ماذا عن قانون الانتخابات الذي يشكل عقدة امام أي توافق محتمل هذا سنعرفه من خلال التحليل التالي:
لماذا ارتفع منسوب «التفاؤل الرئاسي» لدى العماد عون في الفترة الأخيرة؟!
على أي شئ يبني عون حساباته الرئاسية؟!
لم يتزحزح العماد ميشال عون قيد أنملة عن ترشيحه لرئاسة الجمهورية. أعلن منذ البداية أنه ليس في وارد الانسحاب هذه المرة ومستمر حتى النهاية. لم تحبط عزيمته عندما فشل حواره الرئاسي مع الرئيس سعد الحريري، واكتشف أن التفاهمات التي عقدها معه اقتصرت على الحكومة وتوقفت عند عتبة قصر بعبدا. ارتفعت معنوياته كثيرا بعدما انسحب د.سمير جعجع لمصلحته مؤيدا ترشيحه للرئاسة في إطار «اتفاق معراب». اعتبر عون أن الوقت يعمل في مصلحته وأن ما كان صعبا ومتعذرا يصبح مع الوقت ممكنا ومتيسرا. وتأييد الحريري له لن يكون أصعب من تأييد جعجع وسيحصل عاجلا أم آجلا ولا مشكلة لديه في الانتظار.
يبني عون حساباته الرئاسية على أساس متين هو تأييد «حزب الله» الثابت له. فحزب الله هو القوة «الأقوى» في البلد والناخب الأول والممر الإجباري لأي رئيس الى بعبدا. وأثبتت التجربة والوقائع خلال سنتين من الشغور الرئاسي أن حزب الله قد لا يكون بمقدوره إيصال الرئيس الذي يريده ولكنه بالتأكيد قادر على منع وصول الرئيس الذي لا يريده. وبالتالي فإن عون واثق من دعم حزب الله وواثق من أنه إذا لم يكن هو رئيسا للجمهورية لن يكون رئيس سواه، وبالتالي فإن المعادلة التي تحكم الاستحقاق الرئاسي كانت ومازالت وستبقى، وطالما عون مرشح: إما عون رئيسا. وإما الفراغ.
عندما كانت الرئاسة والترشيحات محصورة بين عون وجعجع وكان البلد منقسما بين فريقي 8 و14 آذار، تعايش عون مع هذا الستاتيكو من التوازن السلبي والدوران في حلقة الفراغ التي لا يقدر أي فريق على كسرها وإيصال مرشحه الى الرئاسة. وعندما تحول الحريري من ورقة جعجع الى النائب سليمان فرنجية في محاولة منه لكسر المأزق الرئاسي بعد استنفاد فرص 14 آذار، شعر عون في بادئ الأمر بتضييق الخناق عليه وخطر إضاعة الفرصة، لكنه سرعان ما استعاد زمام المبادرة بعد نيله تأييد جعجع، إذ بات يحظى بعد هذا التأييد بأرجحية مسيحية وازنة، الى أن جاءه أخيرا «التقدم» في موقف النائب وليد جنبلاط و«الاتفاق النفطي» مع الرئيس نبيه بري، لينعشا آماله ويعززا ثقته بالفوز. ولكن العامل الأهم في حسابات عون الجديدة هو: وضع الحريري الذي يواجه أزمة ضاغطة سياسية وشعبية ومالية انكشفت في الانتخابات البلدية على حقيقتها وحجمها، وكشفت حاجة الحريري للعودة الى رئاسة الحكومة للحد من سلبيات هذه الأزمة وتداعياتها على وضعه وتياره داخل الطائفة السنية. وعودة الحريري ثمنها السياسي وممرها الإجباري وصول عون الى رئاسة الجمهورية، وبالتالي لم يعد من خيار رئاسي أمام الحريري إلا تأييد عون بالتصويت له أو بتأمين النصاب وميثاقية جلسة الانتخاب، والاحتكام الى معادلة عون في قصر بعبدا والحريري في السرايا الحكومي.
هل يتخلى الرئيس سعد الحريري عن ترشيح النائب سليمان فرنجية ويؤيد انتخاب العماد عون؟!
أسباب عديدة تدفع بالرئيس سعد الحريري الى التفكير بالتخلي عن ترشيح النائب سليمان فرنجية أبرزها:
1 ـ مرت 8 أشهر على ترشيح فرنجية من دون أن يحقق هذا الترشيح هدفه في اختراق جدار الأزمة وملء الفراغ الرئاسي. فالحريري كان برر لجوءه الى هذا الخيار الصعب والجريء والمكلف بأنه لم يقدم عليه إلا بعدما وصلت الأمور الى طريق مسدود، وتأكدت استحالة انتخاب رئيس من فريق 14 آذار، في حين أنه كان متأكدا من أن انتخاب فرنجية سيمر، وأن «حزب الله» لا يمكنه أن يرفض مثل هذا العرض المغري والى درجة لا يصدق أن خصمه الرئيس سعد الحريري وافق على انتخاب حليفه الرئيسي سليمان فرنجية.
ولكن حسابات الحريري لم تصح وحصل خطأ في التقدير السياسي لديه، ليدرك ويتيقن أن انتخاب فرنجية متعذر. فالعماد عون ليس في وارد الانسحاب والتنازل لأحد. و«حزب الله» ليس في وارد التخلي عن عون طالما هو مرشح للرئاسة. أما الأمر الأهم الذي لم يكن الحريري يتوقعه فهو ترشيح د.سمير جعجع للعماد عون وإبرامه اتفاقا رئاسيا معه في أجواء احتفالية في معراب. هذا التطور كان كافيا لتكوين أكثرية مسيحية موصوفة لمصلحة عون ولقيام سد مسيحي منيع في وجه فرنجية وقطع طريق بعبدا عليه.
فمن جهة، الحريري بحاجة الى العودة لرئاسة الحكومة في أقرب وقت ممكن، وهذا ليس ممكنا من دون انتخاب رئيس للجمهورية، ومن جهة ثانية، الحريري (مع حلفائه) بات أمام خيارين واستحقاقين: إما انتخاب رئيس للجمهورية قبل نهاية هذا العام، وإما التحول الى استحقاق الانتخابات النيابية ابتداء من مطلع العام المقبل.
2 ـ كرة الاستحقاق الرئاسي، لا بل كرة التعطيل الرئاسي، انتقلت الى ملعب الحريري بعدما نجح حزب الله في إخراج هذه الكرة من ملعبه بصورة جزئية على الأقل، بحيث لم يعد يتحمل وحده مسؤولية استمرار الفراغ. فمنذ بدايات الشغور الرئاسي وحتى الآن، كان الاتهام موجها من «المستقبل» وحلفائه ضد «حزب الله» أنه هو الذي يمنع انتخاب رئيس الجمهورية ويمعن في لعب ورقة تعطيل النصاب الدستوري لجلسة الانتخاب. وبعد ترشيح فرنجية اشتد هذا الاتهام عندما أضيفت إليه دعوة النزول الى مجلس النواب وليربح من يربح، خصوصا أن المفاضلة والمنافسة انحصرتا بين مرشحين حليفين لحزب الله.
بعد انحسار وتلاشي فرصة انتخاب فرنجية، بحيث لم يبق في الميدان الرئاسي إلا عون، صار حزب الله في موقع المتهم والحريري في موقع المتهم: حزب الله يحمل الحريري مسؤولية تعطيل النصاب السياسي في عملية انتخاب عون، وبالتالي مسؤولية إطالة أمد الفراغ الرئاسي، لأن هذا الانتخاب لا يمكن أن يكون إلا توافقيا ولا يمكن أن يمر من دون «الصوت السني». وليس المهم هنا السبب الذي يمنع الحريري من السير بمشروع انتخاب عون، المهم أنه بعدم انخراطه في هذا الانتخاب يسهم في تكريس الأزمة ويتحمل وحده أو أكثر من غيره مسؤوليتها، مادامت أكثرية مسيحية تريد عون ومعها القوة الشيعية الأبرز في ظل عدم وجود فيتو من بري وجنبلاط ضد عون إذا مشى به الحريري.
3 ـ علاقة الحريري مع حليفه المسيحي الأساسي سمير جعجع التي حصل فيها تصدع كبير بسبب رئاسة الجمهورية، فكان افتراق المصالح والحسابات والسياسات مع إقدام الحريري على ترشيح فرنجية وإقدام جعجع على ترشيح عون في خطوة بدت ردة فعل على الحريري مهما قيل في تفسيرها، وأدت الى خربطة حساباته وإرباكه.
وتبقى نقطة مهمة، لا بل الأهم، وهي أن عدم انتخاب رئيس في غضون أشهر قليلة، وعمليا عدم انتخاب عون، سيؤدي الى تقديم الانتخابات النيابية على الرئاسية وستجري هذه الانتخابات في حال لم يتم الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، على أساس قانون الستين. وفي هذه الحال ستصبح السلطة التنفيذية مشرعة على فراغ كامل يشمل رئاسة الجمهورية والحكومة التي ستغدو مستقيلة حكما بعد انتخاب مجلس نيابي جديد، وسيكون من غير الممكن تشكيل حكومة جديدة في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية. وفي هذه الحال تنتقل سلطة القرار ومعادلة الحكم الى السلطة التشريعية والى مجلس النواب، مع ما يعنيه ذلك من إضفاء سيطرة شيعية أكبر على الحكم ومن تهيئة لظروف مؤتمر تأسيسي وتعبيد طريقه.
هذه أبرز الحجج السياسية التي يسوقها جعجع ويصعب على الحريري تجاهلها، فإذا كانا يتفقان على ضرورة وأهمية انتخاب الرئيس أولا، وعلى خطورة الذهاب الى انتخابات نيابية أولا، فإن ترجمة هذا الاتفاق لا تكون راهنا وعمليا إلا بانتخاب عون رئيسا.
هذه كلها أسباب وعوامل تدفع بالحريري الى التفكير جديا بتأييد انتخاب عون رئيسا. لكن من الواضح أن الحريري «يتهيب» القرار الصعب والمكلف بتأييد عون رئيسا للأسباب التالية:
ـ يعرف الحريري أن ميشال عون ليس الرئيس المحبذ والمرحب به في تيار المستقبل وعند الجمهور السني الواسع، بسبب علاقته التحالفية مع حزب الله، خصوصا أن عون لم يقل ولم يفعل شيئا يدل على استعداده ورغبته في إعادة النظر في هذه العلاقة وأخذ مسافة من حزب الله في حال انتخب رئيسا، كما أن عون ليس في الموقف ولا في الموقع الذي يتيح له تقديم الضمانات التي يطلبها الحريري وتحميه مستقبلا، فلا يكون عون معه مثلما كان الرئيس إميل لحود مع والده الرئيس رفيق الحريري. وباختصار، فإن الحريري يعتبر أن قراره بترشيح فرنجية أدى به الى خسارة جزء من شعبيته وشارعه وحلفائه، وأنه إذا قرر انتخاب عون فإن خسارة جديدة ستضاف إليه وسيلحق ضررا إضافيا بمصداقيته السياسية والثقة الشعبية به.
هل إذا تخلّى الحريري عن فرنجية يتخلى جعجع عن عون ويسيران معاً باتجاه الرئيس التوافقي؟
حدث اختلال سياسي قوي في معركة رئاسة الجمهورية عندما قرر كل من الرئيس سعد الحريري ود.سمير جعجع السير بترشيح فرنجية وعون، بغض النظر عن الأسباب التي أدت بالحريري، ومن وجهة نظر قوى في 14 آذار، الى ارتكاب هذا الخطأ السياسي الجسيم، وأدت بجعجع الى الرد على الخطأ بخطأ مماثل ولكن مع مسؤولية سياسية أقل وأسباب تخفيفية لأن الحريري كان البادئ وجعجع كان في موقع رد الفعل.
المستفيد من هذا التحول في مسار معركة الرئاسة كان حزب الله. فمن جهة لم يعد لفريق 14 آذار مرشح رئاسي. ومن جهة ثانية سيكون الرئيس حكما من فريق 8 آذار وحليفا له لتسقط مقولة الرئيس الوسطي وإمكانية تكرار تجربة ميشال سليمان آخر. وتصحيح هذا الخلل يستوجب التخلي عن فرنجية وعون للعودة الى المربع الأول والى الوضع الذي كان قائما قبل هذين الترشيحين، أو التقدم الى المربع الثالث والى الرئيس التوافقي الذي لا يشكل تحديا واستفزازا لأحد.
إذا كان خروج الحريري من خيار فرنجية ممكنا في مرحلة ما، وفي لحظة سياسية ما، وعندما يتوافر ثمن ومقابل سياسي ولا يعود حرق هذه الورقة مجانيا، فإن خروج جعجع من خيار عون لا يبدو ممكنا في مطلق الأحوال والمراحل إلا في حالة واحدة هي تخلي عون عن مشروع الرئاسة وسحب ترشيحه. لا يمكن لجعجع أن يتخلى عن عون لمجرد أن الحريري يتخلى عن فرنجية، فإذا فعل يكون قد أثبت فعلا أن ترشيحه لعون لم يكن إلا بهدف قطع الطريق على فرنجية، وأن اتفاق معراب هو اتفاق مرحلي مؤقت تنتهي مفاعيله بانتهاء تأييد القوات لرئاسة عون، ويزول بزوال الظروف التي أوجدته.
هل يريد حزب الله عون فعلاً رئيسا للجمهورية؟! وماذا يفعل إذا قرر الحريري التخلي عن فرنجية؟!
منذ اليوم الأول للشغور الرئاسي، حدد حزب الله خياره وقراره: العماد ميشال عون. أكد هذا الموقف تكرارا وأكثر المرات على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله. فما دام عون مرشحا للرئاسة ومستمرا في ترشيحه، فإن حزب الله مستمر في تأييده وليس هناك من مرشح آخر بديل عنه أو منافس له. وهذا التزام سياسي وأخلاقي وهذا قرار ثابت لا تعديل فيه ولا رجعة الى الوراء، اتخذ لعدة أسباب أبرزها:
ـ التحالف القائم بين حزب الله والعماد عون والذي ظل ثابتا وصامدا منذ فبراير 2006 رغم كل المتغيرات والضغوط وقطع كل الاختبارات وأولها حرب يوليو 2006.
ـ خيار رئاسي مبرر واقعيا: عون هو الزعيم المسيحي الأول استنادا الى تمثيله الشعبي وحجمه النيابي. ووصوله الى رئاسة الجمهورية جزء أساسي في عملية استعادة التوازن في الدولة ورد الاعتبار للوزن المسيحي في الدولة في سياق التأكيد على أهمية العامل المسيحي.
ـ الالتزام الأخلاقي بالعماد عون من جانب حزب الله، وهذا التزام شخصي بالدرجة الأولى بغض النظر عن اعتبارات وحسابات سياسية، بمعنى أنه التزام السيد حسن نصرالله شخصيا وأيضا التزام بشخص عون دون غيره.
لكن رغم هذا الموقف الواضح والمصحوب بتأكيدات متكررة، مازال الموقف الرئاسي لحزب الله موضع «شك وشبهة»: هل يريد عون فعلا رئيسا للجمهورية؟!
أصحاب هذه الشكوك ينطلقون من واقع أن حزب الله تحدث كثيرا عن دعمه لترشيح عون ولكنه لم يقم بأي خطوة عملية تجاه انتخابه وإيصاله الى قصر بعبدا. قبل ترشيح فرنجية عندما كان فريق 8 آذار مازال متماسكا لم يبذل حزب الله أي جهد باتجاه «إقناع» جنبلاط صاحب الصوت المرجح. وبعد ترشيح فرنجية من جانب الحريري، لم يبذل حزب الله أي جهد لإقناع فرنجية بالانسحاب أو لإقناع بري بتغيير رأيه ولتشجيع الحريري للسير بـ «عون». بدا حزب الله متمسكا بـ «ترشيح عون» أكثر منه ساعيا الى «انتخاب عون»، ربما لأنه متمسك بـ «عون الحليف» ولا يهمه كثيرا «عون الرئيس». حزب الله حريص على عون والتحالف معه ولا يريد أن يخسره إن هو أخطأ معه في موضوع الرئاسة التي قرر عون هذه المرة خوضها حتى النهاية وعدم تكرار تجربة عام 2008 وعدم التنازل لمصلحة أحد. ولذلك فإن حزب الله «لا يطلع» من عون إلا إذا قرر عون أن يطلع من موضوع الرئاسة، وليس واردا عنده التخلي عن عون في مطلق الأحوال إلا إذا قرر عون أن يتخلى عن نفسه.
«عون الحليف» مهم جدا لحزب الله وأساسي في حساباته، والتحالف معه يرقى الى مرتبة تحالف استراتيجي.
ولكن «عون الرئيس» ليس مضمونا في سياسته وخياراته والعلاقة معه سيطرأ عليها تغيير بحكم انتقال الرئيس عون من موقع الطرف والفريق الى دور الجامع والوسيط، آخذا مسافة واحدة من الجميع ومقدما «مشروع الدولة» على ما عداه.
«حزب الله» متمسك بترشيح عون مع معرفته الأكيدة بأن وصوله الى الرئاسة أمر صعب ومتعذر لعدة أسباب منها ما هو خفي ولا يصدقه كثيرون ويتعلق بموقف الرئيس بري الذي لا يريد عون رئيسا ولا يمون عليه حزب الله في هذا الموضوع. ومنها ما هو معلن ولا يصدقه البعض وهو أن عون حريص على أن يحصل على الصوت السني، أي تأييد الرئيس الحريري وكتلته، وهذا التأييد لم يحصل ولا مؤشرات الى حصوله في وقت قريب.
الاعتقاد الذي يزداد رسوخا مع الأيام أن حزب الله لا يريد عون رئيسا للجمهورية، وحتى انه لا يريد رئيسا في هذه المرحلة ولا يضيره استمرار الفراغ الرئاسي. وهذا الموقف مرده الى الأسباب التالية:
1 ـ حزب الله لديه حالة عدم اليقين إزاء «عون الرئيس» ليس فقط لأسباب سياسية تتعلق بوجهة خياراته مستقبلا، وإنما لأسباب شخصية (تقدمه في السن) وعائلية (التجاذبات بين أفرد عائلته)، إضافة الى أن الوزير جبران باسيل سيكون هو بمثابة «الرئيس الفعلي» نظرا لحجم تأثيره ونفوذه عند عون.
2 ـ حزب الله منزعج من تحالف عون مع جعجع. وهذا التحالف عنوانه رئاسي ولكن مفاعيله تمتد الى ما بعد الرئاسة. وفي حال انتخب عون رئيسا للجمهورية سيكون جعجع الشريك المسيحي الأساسي له وستنشأ ثنائية مسيحية متماسكة وتوازن جديد في الحكم. وبالنسبة لحزب الله بقدر ما يقترب عون من معراب يبتعد عن بعبدا.
3 ـ حزب الله لا يريد سعد الحريري رئيسا للحكومة في هذه المرحلة، وإذا كان انتخاب عون «ثمنه ومقابله» عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، فإن المسألة فيها نظر ومراجعة حسابات. المسألة ليست عند حزب الله مسألة وصول عون بقدر ما هي مسألة عودة الحريري التي لا يريدها إلا من ضمن شروطه ومواصفاته.
4 ـ حزب الله يربط الوضع في لبنان بالأزمة والحرب في سورية. مستقبل سورية هو الذي يحدد مستقبل لبنان، والتسوية في سورية هي التي تحدد مواصفات الرئيس اللبناني والعهد الجديد.
استنادا الى أجواء الرابية، العماد عون متيقن من أمرين:
٭ إذا قرر الحريري السير بانتخابه رئيسا، بالتصويت له أو بالحضور وعدم لعب ورقة تعطيل النصاب، فإن حزب الله سيحضر جلسة الانتخاب من دون تردد لتحقيق الهدف الذي أعلنه منذ سنتين.
٭ إذا انتخب هو رئيسا للجمهورية، فإن الحريري سيكون رئيسا للحكومة، وحزب الله لا يمانع في قيام هذه المعادلة وهذا التوازن الجديد في الحكم الذي يكمله بقاء بري في رئاسة المجلس النيابي.
هل يكون الاتفاق على رئيس الجمهورية جزءاً من اتفاق شامل؟! وهل تكون جلسات الحوار المدخل الى انتخاب الرئيس على أساس «التسوية - السلة المتكاملة»؟!
ساد اعتقاد عند أوساط سياسية ولكن ليس على نطاق واسع بأن مبادرة الرئيس نبيه بري الحوارية بدعوته الى جلسات مفتوحة هي للاتفاق على جملة أمور وملفات تحت سقف انتخاب رئيس الجمهورية.
هذه المبادرة التي تدعو الى ما يمكن تسميته «دوحة لبنانية» ستكون مقدمة ومدخلا الى انتخاب الرئيس في غضون أسابيع أو أشهر قليلة، وعلى أساس سلة متكاملة من التفاهمات، وستكون جزءا من عملية سيناريو وإخراج عهد بهندستها وتنفيذها للخبير والمتمرس في إدارة الأزمات واجتراح الحلول نبيه بري الذي ما كان ليدعو الى هذه الاجتماعات لولا بصيص أمل وتوافر إمكانية اختراق.
السلة التي يحكى عنها تحوي العناصر والبنود التالية:
1 ـ رئاسة الجمهورية: الاتفاق على اسم شخص الرئيس الجديد وإسباغ صفة الرئيس التوافقي عليه.
2 ـ الحكومة الجديدة: الاتفاق على رئيسها وتركيبتها وتوازناتها السياسية وبيانها الوزاري، أي برنامجها السياسي وأبرز ما فيه مسألة المقاومة وسلاحها ومعادلة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.
3 ـ قانون الانتخابات: الاتفاق على قانون جديد أو على الأقل الاتفاق على آلية حوار فرعي يوصل الى هذا القانون الجديد. وفي مطلق الأحوال، عدم تقييد الانتخابات النيابية بقانون الانتخابات الجديد وعدم ربط إجرائها بالوصول الى هذا القانون. وبالتالي الاتفاق على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها وعلى أساس القانون القائم (الستين).
4 ـ قيادة الجيش: الاتفاق على قائد جديد للجيش، لأن هذا المنصب عسكري سياسي وجزء من معادلة الحكم وميزان القوى العام.
5 ـ الملفات الحساسة والساخنة مثل ملف النزوح السوري وسلاح المخيمات.
6 ـ الاتفاق على تنفيذ ما لم يتم تنفيذه بعد من اتفاق الطائف، وتحديدا:
ـ اللامركزية الإدارية الموسعة.
ـ تشكيل الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية.
ـ إنشاء مجلس للشيوخ ينتخب أعضاؤه على أساس تمثيل الطوائف، وكل طائفة تختار ممثليها (القانون الأرثوذكسي) ويكون رئيسه من الطائفة الدرزية ويعطى صلاحيات واسعة في شؤون وأوضاع الطوائف وكل ما له علاقة وتأثير على العيش المشترك والوحدة الوطنية والتوازنات الطائفية.
فكل هذه المسائل والإصلاحات مدرجة تحت سقف اتفاق الطائف ولا تعد خروجا عليه أو تعديلا له وتغييرا فيه.
وهذا ما يحرص عليه الرئيس بري لتهدئة اللعبة والانفعالات وإبعاد فكرة المؤتمر التأسيسي عن الأذهان وعن التداول.
هذه العناوين الرسمية والمعلنة للتسوية ـ السلة ليست كل شيء. هناك تتمات وملاحق وتفاهمات الكواليس وتحت الطاولة. والمقصود بذلك توزيع الحصص ومراعاة المصالح على الطريقة اللبنانية، فينال كل ذي حق حقه، وكل ذي حصة حصته، ويأخذ كل ذي حجم حجمه:
نبيه بري يأخذ في ملف النفط، واتفاقه مع عون أول الغيث.
وليد جنبلاط يأخذ في قانون الانتخابات (الشوف وعاليه دائرة واحدة) وحصته في النفط محفوظة عند بري.
سعد الحريري يأخذ في رئاسة الحكومة وفي قانون الانتخابات وفي ملف النفط.
عون يأخذ رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ومع شريكه جعجع يأخذان قانونا جديدا للانتخابات وحصة وازنة في الحكومة.
أما حزب الله، فإنه يأخذ في المجال الاستراتيجي المتعلق بالمقاومة ودورها وسلاحها وعلاقتها مع الجيش والشعب وحربها في سورية. ويبحث هذه المرة عن القيمة المضافة في تعزيز حضوره ودوره في الحكم والدولة من خلال تعزيز حصة ونفوذ الطائفة الشيعية ليصبح حجمها في الدولة متناسبا مع حجمها الواقعي على الأرض بعدما طرأ تغيير كبير على وضعها وقوتها من أيام الطائف الى اليوم من النواحي العسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويقال في هذا الصدد إن حزب الله إذا لم يحصل على صلاحيات جديدة للشيعة، فإنه سيعمل على تقليص مساحة ودور رئاسة الحكومة. وهذا لن يكون بالمس بصلاحياتها الدستورية، وإنما برفع سلطتها عن مجالس وصناديق ومؤسسات ملحقة بها وموضوعة تحت وصايتها.