أحمد صبري
«إذا أرادت النساء ممارسة السياسة فلا بد أن يكون جلدهن سميكا كوحيد القرن».. مقولة إليانور روزفلت زوجة الرئيس الديموقراطي الأسبق فرانكلين روزفلت لخصت إصرار ونضال المرأة في بلاد العم سام، في طرح نفسها بقوة على الملعب السياسي الأميركي، حتى من قبل توقيع وثيقة استقلال الولايات المتحدة عن «المستعمر البريطاني» عام 1776م، غير عابئة بالعراقيل المجتمعية.
فهل تتوج الولايات المتحدة تاريخ رحلة المرأة في انتخابات الرئاسة الأميركية ونضالها من أجل الوصول إلى عرش البيت الأبيض وترفع هيلاري ديان رودهام كلينتون لتحتل الرقم الصعب «45» في تاريخ رؤسائها وتثبت للعالم أن المرأة قادرة على قيادة أقوى وأكبر دولة؟
وضع هيلاري في الجو السياسي السائد اليوم في أفضل وضع للفوز بالسباق الى البيت الأبيض، فالكل داخل الولايات المتحدة وخارجها يقول بثقة: ما المانع في أن تصبح امرأة رئيسة للولايات المتحدة الأميركية؟! ففي النهاية، تشكل النساء نحو 51% من الشعب الأميركي، لكن باستطلاع التاريخ نجد أن المرأة عانت بشدة حتى لكسب حق التصويت في الانتخابات الرئاسية فضلا عن الترشح لأهم منصب في العالم.
بداية فهيلاري كلينتون ليست أول امرأة في التاريخ الأميركي التي تتجرأ وتترشح لانتخابات الرئاسة، فقد سبقتها بأكثر من مائتي سنة في المغامرة والجرأة فيكتوريا وودهول، والتي كانت أول امرأة تخوض غمار الانتخابات الأميركية عندما ترشحت لمنصب الرئيس وذلك في عام 1872م، كمرشحة عن حزب الحقوق المتساوية لكن يوليسيس غرانت فاز آنذاك بالمنصب، على الناشرة وسمسارة البورصة فيكتوريا وودهول التي قالت حينها: «ما يبدو سخيفا اليوم سيتخذ طابعا جديا غدا. سأكتفي بالانتظار إلى أن يحظى طلبي بالاحترام كمرشحة وبالتقدير المناسب من الشعب والصحافة».
لم يقف نضال نون النسوة الأميركية عند هذا الحد بل ان وودهول رفعت بترشحها للمنصب الأرفع في اميركا سقف طموحات بني جنسها، لتنتخب بعدها سوزانا مادورا سولتر في عام 1887م. كـ «رئيسة لبلدية مدينة أرغونيا» في ولاية كنساس لتصبح بذلك أول رئيسة لبلدية في الولايات المتحدة قبل سنوات من حصول المرأة على حق التصويت في عموم البلاد.
فيما تولت جانيت رانكين، مقعدها في مجلس النواب الأميركي في عام 1916م، كأول امرأة منتخبة للكونغرس، حيث انتخبت لفترتين غير متتابعتين، حتى قبل التعديل التاسع عشر في عام 1920م، والذي أعطى كل النساء الأميركيات حق التصويت في الانتخابات، وقد أدلت بالصوت الوحيد في الكونغرس ضد الحرب على اليابان أثر الهجوم على بيرل هاربور عام 1941م.
وبعد ذلك في عام 1920م، صدق التعديل التاسع عشر للدستور الأميركي الذي منح المرأة حق التصويت، ليصبح قانونا نافذ المفعول بعد تصديق ثلثي الولايات عليه. ففي يوم الثاني من نوفمبر من عام عشرين، ولأول مرة في التاريخ، توجه أكثر من ثمانية ملايين امرأة أميركية إلى صناديق الاقتراع لممارسة حقهن في التصويت عبر الدوائر الانتخابية في جميع أرجاء أميركا.
وفي عام 1932م، تم تعيين هاتي وايات كراواي من ولاية أركنساس، لشغل مقعد زوجها الراحل في مجلس الشيوخ، لتصبح أول امرأة تفوز بمقعد في مجلس الشيوخ بمقتضى حقها الشخصي عندما فازت في انتخابات خاصة. كما كانت أول امرأة تترأس لجنة في مجلس الشيوخ وتترأس مجلس الشيوخ. وكانت ملقبة بـ «الصامتة هاتي» لندرة خطاباتها العامة.
سميث والحزب الجمهوري
طمحت مارغريت تشايس سميث، وهي سيناتورة جمهورية من ماين، لتكرار تجربة وودهول بالترشح للرئاسة الأميركية لكنها سعت لأن تكون تجربتها أقوى من سابقاتها فأرادت الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لرئاسة الجمهورية وكان لها ما أرادت في عام 1964م، لتصبح بذلك أول امرأة تترشح لرئاسة الولايات المتحدة على قائمة انتخابية لحزب رئيسي، إلا أنها خسرت أمام سيناتور أريزونا باري غولدووتر.
وفي نفس العام كانت بتسي مينك من ولاية هاواي أول امرأة أميركية من منطقة المحيط الهادي الآسيوية تنتخب للكونغرس، وهو المؤسسة الدستورية الأولى في الولايات المتحدة الأميركية.
ثم جاءت بعدها شيرلي تشيشولم لتصبح في عام 1968م أول امرأة سوداء تنتخب للكونغرس، وبحلول عام 1972م، أصبحت ممثلة نيويورك الديموقراطية في مجلس النواب الأميركي المناصرة لحقوق الأقليات، كأول امرأة سوداء يتم ترشيحها لرئاسة الولايات المتحدة على القائمة الانتخابية لحزب رئيسي «الحزب الديموقراطي»، وأول امرأة يرشحها الحزب الديموقراطي للرئاسة.
وقد كافحت لكي يؤخذ ترشحها على محمل الجد، وقد أعلن المذيع الشهير والتر كرونكايت ترشيحها في تهكم واضح، بقوله: «قبعة نسائية جديدة دخلت حلبة السباق الرئاسي للحزب الديموقراطي اليوم»، إلا أنها خسرت الفوز بترشيح الحزب الديموقراطي أمام السيناتور جورج ماكغوفرن من داكوتا الجنوبية.
وفي عام 1984م ترشحت جيرالدين فيرارو، ممثلة نيويورك في مجلس النواب الأميركي، لمنصب نائب الرئيس الديموقراطي إلى جانب والتر مونديل. واعتبرت أول امرأة تترشح لمنصب وطني على لائحة حزب رئيسي بارز «الحزب الديموقراطي»، وعند قبول ترشحها، قال نائب نيويورك: «باختياركم امرأة للترشح لثاني أعلى منصب في الدولة، أرسلتم إشارة قوية إلى جميع الأميركيين بأن ليس هناك أبواب لا نستطيع فتحها. لن نضع أي قيود على الإنجازات»، إلا أن مونديل وفيرارو انهزما أمام رونالد ريغان وجورج بوش الأب.
وفي عام 1992م باتت Carol Moseley Braun كارول موزلي براون من إيلينوي أول عضوة أميركية أفريقية في مجلس الشيوخ الأميركي، وبعدها في عام 2004م، أنهت سباقها للفوز بترشيح حزبها بعد إخفاقها في تحقيق النصر في الانتخابات الأولية. وفي عام 2008م كانت Sarah Palin سارة بالين وهي سياسية أميركية وملكة جمال ولاية ألاسكا وإعلامية ونجمة تلفزيونية شغلت منصب حاكم الولاية، وهي جمهورية تصنف من تيار المحافظين، قد اختيرت لتخوض المعركة الانتخابية إلى جانب المرشح الجمهوري لسدة الرئاسة جون ماكين. تعتبر بالين ثاني امرأة تترشح لمنصب نائب الرئيس على لائحة حزب بارز، وأول جمهورية تترشح لمنصب نائب الرئيس.
في يونيو عام 2008م خاضت هيلاري كلينتون، التي كانت آنذاك ممثلة نيويورك في مجلس الشيوخ الأميركي، سباقا محتدما ضد باراك أوباما للفوز بترشيح الحزب الديموقراطي للرئاسة، في محاولتها التاريخية للفوز بالرئاسة الأميركية، إلا أنها خسرت.
لكنها لم تيأس، فها هي تقود الديموقراطيين لكي يخطوا التاريخ الحديث باقترابها من الكرسي الحلم، فبحسب الاستطلاعات فهي تتقدم على خصمها الجمهوري دونالد ترامب، وهكذا نجد ما بين ترشح فيكتوريا وودهول لخوض الانتخابات، واستعداد هيلاري كلينتون لدخول البيت الأبيض كأول امرأة، أعواما وأعواما من النضال.. لكنه قد ينتهي بأغلى منصب في العالم.. «الرئيس الأميركي 45».
المصادر:
٭ «هافينغتون بوست» الأميركية.
٭ جامعة «راتغرز» الأميركية.
٭ الموقع الإلكتروني الأميركي «ذا نيشان» .
٭ «B.B.C».
٭ موقع «أراجيك» الإخباري.