- ضربة الرئيس الأميركي ليست «قاضية».. والمسؤولية في ملعب الكونغرس
- خيبة أمل خليجية من «تخاذل» الشركاء الأوروبيين وسعيهم وراء مطامعهم الاقتصادية في الأسواق الإيرانية
- ترامب يرى أن الأوروبيين استغلاليون لا تهمهم إلا مصالحهم.. والأوروبيون يعتبرونه قوة فوضوية يجب كبحها
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استراتيجيته الجديدة تجاه إيران، التي تضمنت عدم التصديق على الاتفاق النووي وتحويله إلى الكونغرس، إضافة إلى التلويح بفرض المزيد من العقوبات على الحرس الثوري والبرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني.
ومن المنتظر أن يقرر الكونغرس في موعد أقصاه منتصف نوفمبر المقبل ما إذا كان سيعيد تفعيل العقوبات مرة أخرى على إيران.
وجه ترامب ضربة إلى الاتفاق لكنها ليست قاضية، لأن المشكلة في نظره ليست في عدم احترام طهران التزاماتها، بل في خرقها روح الاتفاق.
وحدد ما يريده بوضوح: تعديل مدة العقد حتى لا تكون متاحة لطهران مواصلة برنامجها بعد انتهاء هذه المدة، والتفاوض على برنامجها الصاروخي وتكبيل أذرعها وميليشياتها في المنطقة، وإعادة فرض عقوبات شديدة عليها وعلى الحرس الثوري الرافعة الأساسية لاقتصادها في الداخل ويدها العسكرية في الخارج.
وبذلك ألقى بالمسؤولية على عاتق الكونغرس الأميركي لوضع شروط جديدة من شأنها إما تعزيز الاتفاق أو نقضه، وفي حال نقض الاتفاق سيؤدي ذلك إلى إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.
ومن شأن هذا القرار تعميق حالة الصراع عبر المحيط الأطلسي، إذ إن القادة الأوروبيين، ومعهم الشركات الكبرى، يؤيدون التمسك بالاتفاق النووي، ويعتقدون أن الاتفاق المعيب أفضل كثيرا من عدم وجود اتفاق.. إلا أنهم في الوقت ذاته انتقدوا برنامج الصواريخ الباليستية في إيران، والدور الذي تلعبه طهران في الشرق الأوسط واصفين إياه بأنه يؤجج انعدام الاستقرار.
عدم تصديق ترامب على الاتفاق النووي أوجد نوعا من المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، والتباعد بين الطرفين بدأ يتزايد، إذ يرى ترامب أن الحلفاء الأوروبيين استغلاليون ولا تهمهم إلا مصالحهم الخاصة، ويجب تذكيرهم بقوة الولايات المتحدة، والأوروبيون يعتبرون ترامب قوة فوضوية ويجب كبحه، في وقت يقوم فيه بتبديد هيبة القيادة الأميركية، وأعربوا عن قلقهم من التبعات المحتملة لعدم مصادقة ترامب على الاتفاق النووي، وأشاروا الى أنه إذا ألغت واشنطن الاتفاق النووي، أو فرضت عقوبات جديدة على طهران، فإن ذلك قد يزيد من خطر الحرب قرب أوروبا.
وأكدوا أن أوروبا تملك كل النفوذ حاليا في ما يتعلق بالتعامل مع إيران. وإذا كانت تهديدات ترامب هي أسلوبه للحصول على المزيد من التنازلات فسيعرف قريبا أن القضاء على الاتفاق النووي يترك أميركا أقل نفوذا مما كانت عليه عندما كانت تفاوض بشأنه، لأن المجتمع الدولي لم يعد إلى جانبها، وقرار ترامب عدم التصديق على الاتفاق النووي مع إيران متهور وخطير.
يعتبر الأوروبيون أن الاتفاق الحالي هو أفضل من عدم وجود اتفاق، ويؤكدون أنه ليست هناك مؤشرات واضحة على انتهاك إيران لالتزاماتها بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، إذ إن خطة العمل الشاملة المشتركة هي المسمى الرسمي للاتفاق المبرم، حتى إن إيران قبلت بأشد عمليات التفتيش في العالم. وقد دخلت وكالة الطاقة الذرية، حتى الآن، إلى كل المواقع التي طلبت زيارتها.
وقد سجلت مختلف أجهزة الاستخبارات الأوروبية انخفاضا ملحوظا في جهود الانتشار النووي الإيراني من 141 محاولة في عام 2015 إلى 32 محاولة فقط في العام التالي، وهذا الانخفاض من المؤشرات البارزة على نجاح الاتفاق.
حتى المسؤولون الأميركيون أوضحوا أن إيران في حالة من الامتثال الفني لبنود الاتفاق، لذلك من الضروري التمسك بالاتفاق الحالي لتفادي الانتشار النووي، وإقناع كوريا الشمالية بالعودة إلى طاولة المفاوضات. وأشاروا الى أن أي إضعاف للاتفاق الذي يمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية قد تكون له عواقب وخيمة على السلام، خصوصا على أمن الولايات المتحدة وحلفائها. ويشعر الأوروبيون بقلق بالغ من أن يقود قرار الرئيس الأميركي إلى مواجهة عسكرية مع إيران.
في الواقع، إن المشهد الاستراتيجي في العالم والمنطقة تبدل في الأعوام الأخيرة، فقد كانت أوروبا تقف جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة الأميركية الحليفة الكبرى لتحصيل الحد الأقصى من التنازلات الإيرانية في البرنامج النووي، أما اليوم، فلا إجماع على فرض العقوبات مجددا على إيران. حتى حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين أعلنوا تمسكهم بتواقيعهم على الاتفاق باعتباره يخدم مصالحهم. وفي هذا الإطار يؤكدون على أنه لا تراجع عن الاتفاق النووي مع إيران ولا عودة للبحث بتفاصيله وبنوده الذي استغرق التوصل إليه نحو عشرة أعوام من المحادثات...
والمفارقة أن أوروبا التي وقفت دائما خلف الولايات المتحدة في التعامل مع إيران، تبدو هذه المرة قريبة من موقف الصين وروسيا في تمسكها بالاتفاق، ولا ترغب في بعث أزمة نووية ثانية بعد الأزمة المستفحلة مع كوريا الشمالية والتي تهدد باندلاع حرب نووية، على وقع التهديدات المتبادلة بين واشنطن وبيونغ يانغ. وتسأل عن البديل، بل إن بعضها يعتقد أن السعي إلى قتل هذه الصفقة أو تعديلها سيدفع إيران إلى تعزيز نشاطاتها.
الموقف الأوروبي الرافض لقرار ترامب يستند الى عاملين:
الأول: الالتزام التام بالاتفاق النووي يعد مفتاحا للأمن بالنسبة للاتحاد الأوروبي والمنطقة، وهذا الموقف ليس موقف الاتحاد الأوروبي فقط، إنما موقف المجتمع الدولي بأغلبيته ومن ضمنه روسيا والصين والاتحاد الأفريقي، وينبغي دعمه من أجل استمراره والمحافظة عليه، لأن الإخلال بالاتفاق سيشكل سابقة خطيرة على مستوى التفاهمات الدولية وفقدان الثقة بأي محاولة مستقبلية قد يقدم عليها المجتمع الدولي لحل النزاعات والخلافات من خلال التفاهمات والاتفاقات، ويطرح المسؤولون الأوروبيون في هذا الصدد السؤال التالي: كيف يمكن إقناع كوريا الشمالية التي تمتلك برنامجا نوويا عسكريا بالجلوس على طاولة الحوار وهناك من يخل بالاتفاقات القائمة؟
الثاني: ما تم نسجه في مرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق (في يوليو العام 2015) من علاقات بين الدول الأوروبية الفاعلة، لاسيما فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وإيران على المستوى الاقتصادي، وقد توصل الطرفان الى صفقة بقيمة 25 مليار دولار لشراء 128 طائرة مدنية من شركة «إيرباص» الأوروبية، وحظيت شركة «توتال» الفرنسية على صفقة تطوير استخراج الغاز الإيراني قيمتها المبدئية 5 مليارات دولار، وهذه الاتفاقية ستفتح الباب على تعاون أوسع ودائم في المجال النفطي، كما عاد التعاون بين شركتي «بيجو» و«رينو» الفرنسيتين والشركات الإيرانية لتصنيع السيارات، بالإضافة الى عشرات الاتفاقات بين دول أوروبية وإيران على مستوى تحديث البنية التحتية في إيران.
في الواقع، تواجه الحكومات الأوروبية قرارا وموقفا حرجا إذا خيرت بين الولايات المتحدة وإيران. وفي المقابل، لم يعد هناك مجال للديبلوماسية بين واشنطن وطهران.
والمشهد الاستراتيجي يتبلور خلال الأيام الستين التي سيعمل الكونغرس خلالها على ترجمة سياسة ترامب. بالتأكيد، لا أحد من الطرفين يرغب في مواجهة عسكرية مباشرة بينهما، سيعولان على حروبهما بالوكالة، بعضها مشتعل وبعضها الآخر قنابل موقوتة تنتظر شرارة.
وما يرمي إليه الرئيس ترامب هو دفع شركائه من الدول الكبرى وألمانيا وغيرها من الدول، لممارسة ضغوط على إيران لتمديد فترة العمل بالاتفاق، فلا تعود الأزمة إلى الواجهة في العقد المقبل .
الموقف الأوروبي من الاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران استفز الدول الخليجية واعتبرته متخاذلا، وتساءلت أوساط فيها: ما الذي يدفع أوروبا في طريق يهدد علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة من جهة، وبحلفائها وشركائها في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط من جهة ثانية؟ يبدو أن الأوروبيين ذهبوا وراء مطامحهم، وربما مطامعهم الاقتصادية في الأسواق الإيرانية، مفضلين الاقتصاد على الأمن.
وتعتبر هذه الأوساط أن أوروبا تتعاطى بسذاجة فيما يتعلق بإيران وبأسباب المخاوف العربية من الدور الإيراني التخريبي في الشرق الأوسط ومن انعكاسات الاتفاق النووي على السياسات الإيرانية وعلى المنطقة، بينما المطلوب اليوم إنصات أوروبا أكثر لمخاوف شركائها وحلفائها في الشرق الأوسط، والنظر للحقائق على الأرض، فالاتفاق النووي الذي منع إيران من تطوير الصواريخ، سمح لها في المقابل بتصدير واستيراد الأسلحة، كما أن رفع العقوبات عن طهران أدى إلى زيادة المداخيل التي ظهرت مع الوقت بيد المجموعات الإرهابية.. أوروبا تحتاج الى نظرة واقعية للشرق الأوسط بعيدا عن الأمنيات وأحلام السلام ولعبة المصالح.