قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات.. المجادلة: 10).
إن الإسلام احتفى بالعلم، وحث عليه، والمقصود بذلك العلم الشرعي المستمد من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الصحيحة، وأقوال الصحابة الكرام هذا أولا، ثم ما يتبعه من العلوم الأخرى ثانيا، ولما له من قيمة عظيمة لا ينكرها كل ذي عقل، ولما ينتج عنه من آثار كبيرة تصل إلى درجة إعادة بناء الأمم على أساس من الحق والعدل والإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وعلى ذلك بنيت الأمة الإسلامية، وكيف لا تبنى عليه وهو لب الكتاب والسنة، وفرعها السامق.
ونظرا لمعرفة قيمة هذا العلم من قبل الأولين من السلف الصالح الذين قاموا بتأصيله بسبب ذلك، وكتب من بعدهم بتفصيله والاستنباط منه، وبسبب تتابع الأجيال فلابد من انتقال العلم من السابقين إلى اللاحقين مع الحرص على العمل به، فقد بحث العلماء عن أفضل السبل لإيصاله إلى طلابه، وفي هذا المجال كتبت عدة مؤلفات من قبلهم مطولة ومختصرة بينوا فيها أحسن الطرق لإكسابه واكتسابه، ودارت معظم المؤلفات حول القطبين الأساسيين اللذين لا تتم بدونهما أي عملية تعليمية وهما العالم والمتعلم، والعلاقة بينهما، وعند اطلاعي على كثير من هذه الكتب شد انتباهي كتاب «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» للإمام بدر الدين إبراهيم بن سعد بن جماعة (639 - 733هـ) فأعجبني تناوله للموضوع واستيفاؤه للبحث وطريقة التعامل بين العالم والمتعلم إذ بدأ بها بالتعامل مع الذات، ثم مع الطرف الآخر من عالم أو متعلم أو محيط علمي بما في ذلك المادة العلمية، والكتاب وعلاقة الطلبة فيما بينهم، وكذلك مع المكان الذي يتعلمون فيه.
وبعد اطلاعي على الكثير من الكتب في هذا الجانب إلا أنني وجدت من المفيد أن أحث القراء على قراءة هذا الكتاب للانتفاع به، فهو مع صغر حجمه إلا أنه نافع جدا لما فيه من الفوائد الجمة، وآداب التعامل التي تعود بالخير على العالم والمتعلم ليكون كل منهما في ميدانه أكفى، وعلى ما ينهض به أقدر وما هذه المعلومات والآداب إلا وسائل معينة على اكتساب العلم، ونهله من أقرب السبل وأنفعها، وبدونها قد يحرم الكثير من جنى العلم الذي لا ينال إلا بتجشم الصعاب، والتلاؤم مع ظروف العالم والمتعلم من الناحية الشخصية، ومحيط كل منهما وبيئته، وأحواله، ومن أراد العلم فإنه له مكابدة لابد منها، ومن ذاقها عرفها، وذلك لأن كثيرا من حاجات الحياة قد تنال بالمال وحده، ولكن العلم لابد له من الجهد والمال والوقت والتواضع، ولا يجتمع ذلك إلا لعازم وحازم مع توفيق من الله سبحانه وتعالى، وخبرة العلماء الذين جعلوا من خبرتهم جسرا لنا لتجاوز الصعوبات من خلاله، والحر تكفيه الإشارة.
قال الإمام الشافعي:
أخي لن تنال العلم إلا بستة
سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واصطبار وبلغة
وصحبة أستاذ وطول زمان