سورة الفرقان (مكية) تتحدث عن طعن الكفار في ألوهية الله وفي القرآن وفي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتتحدث السورة عن سوء عاقبة من يكذب بالله ورسوله وكتابه، فتتناول أنواع التكذيب التي لقيها النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من سوء عاقبة التكذيب ثم تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وسميت الفرقان وهو القرآن الذي يفرّق بين الحق والباطل.
جزاء المكذبين
يقول عز وجل (ويوم يحشرهم) يخبر عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة، فيقول الله مخاطبا ليس للاستفهام وإنما للتقرير وإقامة الحجة على رؤوس الأشهاد (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل). والمشهد يوم القيامة (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله... الآية) يأتي سبحانه بكل ما خلق ليقيم الحجة على هؤلاء ويزيدهم حسرات فيكون العذاب نفسيا وجسديا (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء... الآية) المؤمن لا ولي له إلا الله (ولكن متعتهم وآباءهم) هذه الآية مخيفة لأن الله يذكر فيها سبب الكفر بأن الله أترفهم في الدنيا وفتح الله عليهم باب الأرزاق وبدلا من أن يؤمنوا بالله نسوا ذكر الله (فقد كذبوكم بما تقولون) هؤلاء الذين عبدتم من دون الله كذبوكم وتبرأوا منكم وصاروا من أكبر أعدائكم فحق عليكم العذاب (فما تستطيعون صرفا) للعذاب عنكم بفعلكم أو بفداء أو غير ذلك (ولا نصرا) لعجزكم وعدم نصركم هذا حكم الضالين الجاهلين أسوأ حكم.
أكبر الظلم
(ومن يظلم منكم) وأما المعاند منهم الذي عرف الحق وابتعد عنه بترك الحق ظلما وعنادا (نذقه عذابا كبيرا) و(نذقه) من باب الألم النفسي لهم، ثم قال عز وجل جوابا لقول المكذبين (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) يؤكد الله على بشرية الرسول ويسلي نبيه أي ما بعثنا قبلك من الأنبياء إلا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وهذا يعني أنهم كانوا بشرا مثله ومثل الناس.
فتنة أهل العافية وأهل الابتلاء
بيّن عز وجل للناس أنه جعل بعضهم لبعض فتنة أي بلاء واختبارا ليعلم أيصبرون أي يطيعون حكم الله أم يخالفون ويبين لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه كان بصيرا عليما بكل شيء يذكرنا الله بربوبيته.
الجرأة على الله
افتراءات وجرأة على الله (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة... الآية) هذا حال السفهاء اذا تركوا دون رادع يتمادون، من أنتم حتى تطلبوا رؤية الله؟ هؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله هم الذين لا يؤمنون بجزاء الله. والعلة الاستكبار والترف والجرأة واستعظام طاعة الله، هؤلاء عتَوا عتوّا كبيرا أي كفروا كفرا عظيما والخطاب وما بعده للنبي صلى الله عليه وسلم.
يوم الميعاد
(يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا) يوم يرون الملائكة لا يبشرون إلا بما يكرهون. فهم لا يدخلون الجنة ويقولون حجرا محجورا أي سجنا أبديا، ويبين الله لنا أنه قدم الى ما عملوا من عمل وفعل فجعله هباء منثورا.
أصحاب الجنة
وفي المقابل حال أهل الإيمان يبشرون بالخيرات (أصحاب الجنة يومنذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) يقول الله من كتب لهم الجنان هؤلاء في خير وأحسن مكان لا يسمعون إلا خيرا ولا يلاقون إلا الخير. وأفضل مقاما مصداقا لقوله (حسنت مستقرا ومقاما).
خلق كل شيء فقدره تقديراً
سبحانه أعطى كل مخلوق ما يليق به ويناسبه من الخلق وما تقتضيه حكمته من ذلك، بحيث صار كل مخلوق لا يتصور العقل الصحيح أن يكون بخلاف شكله وصورته المشاهدة، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد لا يناسبه غير محله الذي هو فيه. كان يكفي أن يقول: الله خلق كل شيء وقدره، ولكنه عاد بهذه اللفظة مفعول مطلق من صيغ التأكيد، حيث قدر الله كل شيء بمعلوم وبميزان واتقان فلم يكتف بإيجاد الشيء من العدم وإنما أوجده في تلك الصورة البديعة التي عبر عنها في آية أخرى بقوله (صنع الله الذي أتقن كل شيء). وهو خالق كل شيء وربه ومليكه والهه وكل شيء تحت تدبيره وتقديره، فإذا كان الله الذي قدر الأكوان بهذه الدقة أليس بقادر على إدارة حياتك أيها الإنسان؟ فلقد خلقك لتحقق عبادة الله في نفسك وفي الأرض.
شروط قبول العمل
يجب أن يكون العمل صالحا خالصا لوجه الله عز وجل حتى يقبل، وشروط قبول العمل اذا وافق أمرين: الإخلاص وموافقة شرع الله، وهذا يحتاج منا علما بكتاب الله وسنته، والإخلاص معناه أن يكون العمل خالصا لوجه الله عز وجل ابتغاء الأجر والثواب من الله عز وجل وحده لا يبتغي الأجر من أي أحد سواه. وألا يكون العمل رياء ليعرفه الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي». وألا يكون لمصلحة دنيوية بحتة لقوله تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وقوله صلى الله عليه وسلم «فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر إليه»، وعليه اتباع سنته صلى الله عليه وسلم وتصديقه في كل ما جاء به والتصديق على أنه لا ينطق عن الهوى.