آثار البيئة وبصماتها ظاهرة في النفس الإنسانية وعميقة، وما أروع وأبلغ ما ضرب القرآن لها من مثل في سورة الأعراف بقوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ـ الأعراف: 58).
ثم إن اثر البيئة واضح يتجلى في نشأة مريم البتول التي أنبتها الله نباتا حسنا، وأنشأها في أسرة طيبة مباركة (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ـ آل عمران: 37).
بيد أن البيئة وحدها ليست من العوامل الأساسية في التكوين والتوجيه، فنحن نعلم أن أنبياء الله الكرام قد نشأوا في بيئات حاربوهم ووقفوا في سبيل دعواتهم حجر عثرة، وفي المقابل نجد بعض زوجات الأنبياء الكرام غير متأثرات ببيئاتهم الكريمة، فهذه امرأة نوح وامرأة لوط قد انحرفتا عن طريق الهدى وخالفتا أمر زوجيهما نبي الله الكريمين وعارضتا ما أتيا به من عند الله، فضرب الله بهما مثلا للكفر والجحود، بقوله تعالى في سورة التحريم (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ـ التحريم: 10)، فمن هنا نعلم ان نشأتهما في كنف نبوي لم تؤثر فيهما بقدر ما كان ينبغي ان تؤثره البيئة فيمن يعايشها.
وازاء ما علمنا عن هذا النموذج المنحرف، نجد تصويرا قرآنيا آخر لنموذج سوي، نشأ في بيئة منحرفة فلم تؤثر فيه ولم يتأثر بها كهذا الرجل الصالح الذي نشأ في قوم فرعون وكان عونا لموسى عليه السلام ضد مناوئيه، فمنع عنه اعتداء قومه عليه، وهذا ما جاء به القرآن الكريم (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم).
ثم يسوق القرآن الكريم قصة اخرى مشرقة بالإيمان، انها قصة امرأة فرعون التي لم تتأثر بمظاهر الملك وأبهته ولم تطغها السلطة والسلطان فلم تحد عن معرفة ربها فنسمعها كما نطق القرآن على لسانها نسمعها تلجأ الى ربها لينجيها من بيئة الكفر التي تعايشها كزوجة لملك متسلط، فضرب الله بها مثلا بقوله في سورة التحريم: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين)، فقد استعلت بإيمانها على زينة الدنيا المحيطة بها حين رأت كل هذه الأبهة ليست إلا دنسا وشرا فاستعاذت بربها منها وطلبت منه النجاة فكانت بإيمانها متجردة عن كل المؤثرات حولها، ومن هنا نعلم ان البيئة ليس لها من سلطان إلا على ذوي الإرادة الضعيفة والهمم المتدنية، وصدق ربنا العظيم (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها).