سورة عظيمة فيها انتصار لكتاب الله ولنبيه، فيها نور الحق وبيان الحق، يبين الله فيها آياته الشرعية والكونية، ويبين فيها كيف يكون الحوار مع المعاندين، ثم يبين أقاويل الكافرين، سماها الله عز وجل الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام.
نزلت السورة تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وسردا للحوادث، يبين الله فيها ان الحجاج العقلي من طرق الذب عن دين الله، ويبين الله دعوة الانسان للتفكر في الآيات الكونية ليعرف ما وراء الخلق والتفكر في مظاهر قدرة الله تعالى في مد الظل، وفي تعاقب الليل والنهار، وفي الرياح التي يرسلها سبحانه لتكون بشارة لنزول المطر، وفي وجود برزخ بين البحرين، وفي خلق البشر من الماء، ثم يعقب ذلك بالتعجب من حال الكافرين الذين يعبدون من دونه سبحانه ما لا ينفعهم ولا يضرهم، والسورة زاخرة بالآيات التي تدخل الأنس والتسلية والتثبيت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان اتهمه المشركون بما هو بريء منه وسخروا منه ومن دعوته.
نحن بين يدي سورة عظيمة والقرآن كله عظيم، سورة الفرقان التي فيها الانتصار لكتاب الله ولنبيه صلى الله عليه وسلم، فيها نور الحق وفيها بيان الحق، وفيها اقتداء اهل الحق بنبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه، بين الله فيها آياته الشرعية والكونية وبين لنا كيف يكون الحوار والدعوة الى الله عز وجل، وكيف يكون الكلام مع المعاند، فبعد ان بين الله عز وجل اقاويل الكافرين واستهزاءهم بنبينا العظيم هداه الله عز وجل، وثبته على الحق وثبت اصحابه على الحق بأن أوحى اليه هذا الكتاب العظيم، القرآن الكريم، الذي نزل منجما على مدى ثلاث وعشرين سنة على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم حتى يثبته عز وجل، وحتى يسلي قلبه وحتى يجيب على ما يحدث من الحوادث وما يطرأ من الاحوال فإن هذه نعمة كبرى وفضل عظيم، وبين الله سبحانه وتعالى ان الحجاج العقلي من طرق الذب عن دين الله والدعوة الى الله عز وجل، وبين سبحانه وتعالى ان دعوة الانسان للنظر في آيات الله الكونية مجال لزيادة الايمان وللترقي في مراتب الايمان ودعوة من الله عز وجل للنظر في هذه الآلاء العظيمة فيعرف كما قلنا ان وراء هذا الخلق إله عظيم، ودعوة الى الاستمساك بهذا الكتاب العظيم وقراءة آياته، فبه يحصل الايمان ويكون الثبات على الايمان والسير على درب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد ان بين الله سبحانه وتعالى حقيقة الرسالة يختم الله عز وجل، في هذه السورة الكريمة ببيان مهمة نبينا صلى الله عليه وسلم، كما مر بنا بقوله (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسالكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا)، وذكرنا ان هذا حال اهل الدنيا يقيسون الامور بأحوالهم وكما ينظرون اليها يتهم اهل الحق بأنهم ينظرون الى الدنيا مادة وجاه فكانوا يظنون ان الرسول صلى الله عليه وسلم تبنى هذه الدعوة حتى يحصل على الجاه او يحصل على المال وهذه تهمة يبرأ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبرؤه الله عز وجل منها، وهكذا ما يدعو داع الى الحق الا لوجه الله عز وجل.
حقيقة التوكل
(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده)، سبحانه، حقيقة التوكل اعتماد القلب على الله عز وجل في كل الامور هذه هي حقيقة التوكل، وان يعلم الانسان ان الاسباب ما هي الا وسائط امرنا الله عز وجل بالاخذ بها، ولكن الامر كله لله عز وجل، يقول السعدي: التوكل ان تعرف ان الامور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق هي لله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يقول: كن في امورك كلها متوكلا على الله الحي الذي لا يموت، ويذكرنا الله هنا باسمه وبصفته العليا الحياة الدائمة لله عز وجل الحي سبحانه والابدي، الحي القيوم سبحانه القائم على كل امر المدبر لهذا الكون، رب كل شيء ومليكه سبحانه.
سجود التلاوة
ننبه الى آية فيها سجدة، وقلنا ان المستمع اذا سجد القارئ فإنه يسجد، كل بحسبه، يعني اذا استطعت ان تسجد على الارض او لم تستطع فالايماء يكفي، وان شاء الله سنسجد فيها، وهذه السجدة عظيمة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يرغم فيها الشيطان، الشيطان يبكي اذا رآك ساجدا، يقول يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وامرت بالسجود فأبيت فلي النار».
من السنة ان نقول: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله احسن الخالقين. (رواه الترمذي والحاكم).
وأجاز بعض العلماء ان نقول «سبحان ربي الاعلى» او يفعل مثلما يفعل في سائر السجود.