لفظ التفكير في الحديث فيه معنى تكرار الفكر وتقليبه والتعمق فيه، وهذا يعني اجالة الفكر في الآلاء والنعم في السماوات والأرض، وما خلق الله مما لا يعده الحصر، ولا تفنى عجائبه، ولا يحيط به الفكر، دون التفكر في ذات الله عز وجل، فالعقل محدود والشيطان موجود، فأما اصل التفكير والتفكر وخواطر النفس وهواجسها لا يؤاخذ المسلم عليه ولا يكلف بحكم فيه، ولذا لما نزل قوله تعالى (وان تبدوا شيئا او تخفوه يحاسبكم به الله ـ البقرة: 284)، دخل قلوب الصحابة من هذه الآية شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا وأسلمنا» فألقى الله في قلوبهم الايمان، فأنزل الله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ـ البقرة: 285)، قد فعلت (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ـ البقرة: 286)، قال قد فعلت (متفق عليه).
وحرية التفكر والتفكير في الاسلام عامة شاملة، بل يدعو الاسلام الى الفكر والتفكر والتفكير ويأمر به، وهذا كثير مبثوث في كتاب الله، مثل قوله تعالى (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ـ آل عمران: 191)، وعاب على من يقتدون آثار آبائهم (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ـ الزخرف: 23)، وقولهم (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ـ الأحزاب: 67)، وقد وصف ووصم هؤلاء الذين يعطلون عقولهم بأنهم أنعام بل هم أضل، لأن الانعام خلقها الله بلا عقل او قلب يعي، فقال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ـ الأعراف: 179).
وقد ربط الإسلام بين الحرية والانسانية، وجعل الحرية من لوازم الانسانية، فالانسان دون حرية انسان دون كرامة، وهذا مضاد للمهمة التي خلق الله الانسان من أجلها، قال تعالى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ـ الإسراء: 70)، ومن تكريم الانسان حرية اعتقاده وحرية رأيه وسعيه وتملكه وتعلمه، وما الى ذلك من الحقوق التي وهبها الله له باعتباره انسانا وخليفة.