Note: English translation is not 100% accurate
نهاية مملكة تدمر: الإمبراطور الروماني أورليانوس حطّم أحلام زنوبيا الملكة العربية التي تحدت روما
18 سبتمبر 2007
المصدر : الأنباء





مواجهات يشهد عليها التاريخ
اعداد: محمد الحسيني
التاريخ تسطره إنجازات صنّاع أحداثه من الرجال والنساء، وكم لنا في هذا التاريخ من عِبَر ومواقف تستحق أن نقف عندها لنستفيد منها أو نثري بها معلوماتنا.
في بحر الزمن نغوص لنستحضر على مدى 30 حلقة مواجهات لا تنسى من مختلف العصور والحضارات في مجالات الحرب، الأدب، الفن والرياضة، كان التاريخ شاهدا عليها وتستحق أن نستعيدها.
سأل أورليانوس غريمته: لماذا لم تقبلي بالصلح؟
فأجابت: روما نموذج الظلم وتدمر رمز الحرية ولا يمكن للحرية أن تتصالح مع الظلم
قبل أكثر من 17 قرنا من الآن، اعتلت الملكة العربية زنوبيا عرش مملكة تدمر (پالميرا)، واسمها الحقيقي زينب بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة، ولدت في 240م وتاريخ وفاتها مجهول.
يشهد التاريخ ان زنوبيا عرفت بشجاعتها الى جانب جمالها الأخاذ، ويروى انها كانت تخرج الى جانب زوجها على رأس جيشه وعندما كانت تسير على جوادها الى جانبه كان المقاتلون يتهامسون قائلين: «انها الرجل الأقوى بين الاثنين!». كانت مولعة بالصيد وعادة ما تضع عمامة على رأسها وتكشف عن ذراعيها وهذا ما تدل عليه صورها المحفورة على اثار تدمر المملكة التي بنتها وأعلنت انفصالها واستقلالها عن روما لمدة 5 سنوات قبل ان يقود الامبراطور الروماني أورليانوس جيشا عرمرما ويغزو تدمر ويحرقها بعد معارك دامية وقتال ضارٍ مع جيش زنوبيا.
المواجهة بين زنوبيا وأورليانوس كانت احد أهم احداث التاريخ ومصدر الهام للكثير من الشعراء والأدباء والثوار في القرون التي تلتها ومادة مثيرة للمؤرخين وعلماء الآثار الذين مازالوا حتى اليوم يزورون تدمر للبحث عن أسرار زنوبيا والظروف التي جعلتها تقوم بأكبر حركة تمرد على أعظم امبراطوريات التاريخ وأطولها عمرا.
زوج زنوبيا أذينة كان ملقبا بسيد آسيا الرومانية، اشتهر بمواجهاته العنيفة مع الفرس وبعد هجماتهم وغزواتهم ضد الأراضي التابعة لروما شرقي المتوسط، قتل أذينة في ظروف غامضة عام 267 وتتهم بعض الروايات زنوبيا بقتله، كونها تسلمت السلطة بعد رحيله نيابة عن ابنها الصغير وهب اللات الذي حكمت باسمه وسعت لتعزيز مستقبله وتأسيس دولة قوية ليتسلمها منها.
اثار تزايد نفوذ تدمر قلق روما بشدة فأرسل لها الامبراطور قوات لإعادة بسط سلطته المركزية على الأراضي التي تحكمها زنوبيا، لكن الأخيرة سحقت القوات الزاحفة نحوها ولم تكتف بذلك بل استغلت بعض الاضطرابات الداخلية في روما فوسعت حملتها محتلة أجزاء من تركيا والعراق، اضافة الى سورية ولبنان وفلسطين ومصر التي غزتها حتى امتدت مملكتها من النيل الي الدردنيل، ما أدى الى تهديد حقيقي لروما وقطع سبل مواصلاتها بين الغرب والشرق وتزويدها بالمؤن والذهب والتوابل وغيرها. مع وصــــــــول أورليانوس الى الحكــم في روما سعى الى التفاوض معها لكبح جماح طموحها وعرض عليها امتيازات ومكاسب رسخت استقلالها وصورتها كملكة مكتملة الصلاحيات امام شعبها الذي كان شديد التعلق بها.
رضخت زنوبيا في بادئ الأمر وصرفت اهتمامها الى التجارة مع الحبشة وشبه الجزيرة العربية وضربت النقود في انطاكيا والاسكندري ة واضعة على جهة منها صورة ابنها وهب اللات وعلى الأخرى صورة أورليانوس، لكن مع تعاظم قوتها طلبت الملكة إزالة صورة امبراطور روما عن النقود الخاصة في مملكتها وهو ما كان بمثابة انذار واستفزاز للامبراطور الذي توعد بسحق زنوبيا وجيشها وأخذ يعد العدة لذلك.
في عام 271م امر أورليانوس بتجهيز جيشين لتدمير ملكة تدمر، وكان احدهما بقيادة بروبوس الذي كلف باحتلال مصر وقام بذلك، والآخر بقيادة أورليانوس نفسه توجه الى انطاكيا عبر تركيا، حيث واجه جيش زنوبيا ودارت معارك طاحنة بين الطرفين انتهت الى انكسار جيش تدمر وتراجع فلوله وبينهم زنوبيا نحو حمص اولا ثم تدمر المحصنة بالأبراج والأسوار والمنجنيق وكتل النار، طلبت زنوبيا من جيشها الصمود وعندما وصل أورليانوس الى تخوم تدمر وشاهد استعداداتها الدفاعية عرض على زنوبيا الصلح، لكنها رفضت، فواصل حصاره مستغلا نفاد المؤن في المدينة المحاصرة، وبعد ان يئس من احتمالات الصلح قرر الهجوم على تدمر التي احتلها جيشه والقى القبض على قادة جيش غريمته وأحالهم للمحاكمة، ثم أعدمهم، بينما فرت زنوبيا شرقا نحو الفرات، حيث طاردها الرومان حتى القوا القبض عليها بعد وشاية من احد المقربين منها على الأرجح.
الهجوم الروماني
لحظات الهجوم الروماني على تدمر واحراق المدينة كتب عنها كثيرون، ومن أروع الأعمال التي صورت المواجهة مشهد خاص اسمه «زنوبيا» ضمن مسرحية ناطورة المفاتيح التي قامت ببطولتها السيدة فيروز وكتبها ولحنها الأخوان رحباني عام 1972.
في مشهد الهجوم على تدمر يطلب أهل المدينة من زنوبيا ان تهرب، لكنها ترفض وتقول ان كأس الموت أسهل بالنسبة لها من الهرب، وترد عليهم: وأنتم لماذا لا تهربون؟ فيجيبون بأنهم «عشب الأرض» الذي يستطيع الانحناء أمام العاصفة القادمة والتي لا تستهدف العشب بل تستهدف الورد العالي، ولا شك في ان زنوبيا هي اعلى وردة وهي الرمز الذي يستهدفه الغزاة.
ومن المشاهد المؤثرة ايضا والمحفورة في ذاكرة التاريخ، المواجهة بين أورليانوس وزنوبيا لحظة احضارها اليه بعد القبض عليها عام 272م، حيث يطالبها بالاعتراف بهزيمتها ويسألها عن أسباب رفضها للصلح فتجيبه الملكة: إن تدمر التي انكسرت وروما التي انتصرت ستتحولان في النهاية الى كومة من الحجارة وانه لابد في كل مكان وزمان ان تكون هناك «روما» لتطغى وتظلم وستقابلها «تدمر» التي ترفض الظلم لأن تدمر هي رمز الحرية، والحرية لا يمكن ان تتعايش مع الظلم.
بعض الروايات تزعم ان زنوبيا ماتت بتجرع السم لكن كبار المؤرخين يرفضون الاعتداد بذلك لعدم توافر أي أدلة.
طالب كبار القادة أورليانوس بقتل زنوبيا إلا ان الامبراطور لم يقو على اتخاذ هذا القرار، فأمر بنقلها الى روما، وهناك ايضا روايتان عن نهاية زنوبيا، فبعض المؤرخين يقولون ان حياتها انتهت في منزل متواضع، والبعض الآخر يقول انها اقترنت بأحد حكام الولايات الرومانية، وعاشت في قصر قرب منطقة تيڤولي وأنجبت منه بنات، ومن سلالتها تحدر الراهب «زنوبيوس» الذي عاش في القرن الخامس في فلورنسا وهذه هي الرواية الأرجح.
على مر الأزمنة، ستظل زنوبيا رمزا لقدرة المرأة على ادارة شؤون الحكم والمواجهة والقتال والشجاعة وحتى الوقوف بوجه أعتى قوة عالمية دون ان يتناقض ذلك مع انوثتها ومفاتنها وأمومتها، انها امرأة عربية تولت مقاليد الحكم قبل كل هذا الزمان، فأين هي المرأة العربية اليوم؟
زنوبيا.. المرأة التاريخية
عرفت الملكة زنوبيا بجمالها وأناقتها وغالبا ما كانت تظهر بثوب أرجواني مرصع بالجواهر وعلى رأسها التاج، أما في ميادين القتال فترتدي لباس الحرب وتضع خوذة مرصعة بالأحجار الكريمة، كانت بحسب المؤرخين سمراء اللون، قوية اللحظ، تتمتع بالهيبة، وكان صوتها قويا وأسنانها كاللؤلؤ.
وتمتعت زنوبيا ـ بحسب موسوعة ريكيبييا على شبكة الإنترنت ـ بثقافة واسعة، فقد كانت الى جانب العربية تجيد الآرامية والقبطية وكانت تقرأ لهوميروس وأفلاطون وألفت تاريخا عن الشرق ومصر وآسيا.
وكانت زنوبيا تنسب نفسها من جهة والدتها الى ملكة مصر كليوباترا لكن ذلك أمر غير مؤكد
مسرحية زنوبيا
فيما يلي تصوير للحظة استسلام زنوبيا لأورليانوس في مشهد من مسرحية «ناطورة المفاتيح» للأخوين رحباني (1972) بطولة السيدة فيروز والفنان وليام حصواني
أهالي تدمر: زنوبيا زنوبيا اسمعي يا زنوبيا اسمعي
أبواق الرومان عم تعلن نهاية تدمر
تدمر يا نجمة المشارق
حاصرتك روما واستشهدوا أبطالك
لبصرة عم ينسمع نحيبك يا طفلة الممالك
اهربي يا زنوبيا اهربي اهربي
زنوبيا: لأ إذا أنا بهرب الأرض ما بتهرب
أهالي تدمر: كل شي عم يهرب
المملكي السعيدي طفلة الممالك هربت من إيدينا
أحد قادة جيش زنوبيا: خمس سنين حكمت زنوبيا بنيت حضارة ثارت على روما
خمس سنين بغفلة سريعة يا خمس سنين
زنوبيا: خمس سنين أو 155 سنه بيمروا متل الطير
بياكلهن الزمان زمان اللي بياكل كلس الحيطان
بس اللي بيبقى الوحدو بيبقى شرف الوقفة صرخة بوجه الظلم
أهالي تدمر: انهدم البرج انكسر السور العسكر هاجم صوب الملكي متل الأطفال اللي بدن يتخطافوا اللعبي
اهربي يا زنوبيا اهربي يا زنوبيا
زنوبيا: وانتو؟
أهالي تدمر: نحنا منبقى نحنا عشب الأرض
و العاصفة بتمرق فوق بتكسر الورد العالي
الوردة إنتي و العاصفة جايي تاخدك إنتي
زنوبيا: أنا زنوبيا ملكة المملكي النبيلة لأجل الحرية بختار الموت عطوني كاس الموت
أهالي تدمر: الملكي العظيمة رفضت الظلم و اختارت الموت اختارت النسيان
ودعوا زنوبيا بموسم الدمع بصوت الفرح بورق الرمان
زنوبيا: يا موت يا زهرة البطولي يا تاج الحياة و عطية المحبي الخجولي
يا موت هديني بإيدي خدني عا طرقات مفروشة بالنوم و سعيدة
و يا أهالي تدمر خمس سنين من العمر عشتوها أحرار
إلكن سما و هوية و اللي سكن الحرية اليوم انهار ما بقى تقدر روما تسلب منو الحرية
كاسك يا موت
أهالي تدمر: أورليانوس الامبراطور
أورليانوس: زنوبيا ما إلك مهرب من روما حتى بالموت
زنوبيا: أورليانوس أنا برفض روما وسيطرة روما
أورليانوس: إنتي اتمردتي
زنوبيا: نحنا عم نتحرر
اورليانوس: و عارفي مصيرك؟
زنوبيا: عارفي مصيري بساحات روما مكبلة بالحديد
اورليانوس: أمشي بالشوارع مغلوبة أسيرة يتفرجوا الناس عالملكة الأسيرة
زنوبيا: اللي بدو يصير ما عاد يهم أنا لعبت الدور والدور المهم
اورليانوس: لا تخدعي الناس صارحي الناس قوليلن انكسرتي
زنوبيا: أورليانوس الانكسار بيمضى و الانتصار بيمضى
و بكرا بالايام تدمر اللي انكسرت وروما اللي انتصرت تنينتهن حجار
و أنت و أنا تمثالين بساحة الاثار
لكن بكل زمان ومكان بدا تطلع روما تطغي وتظلم وبدا تطلع تدمر ترفض الظلم
و بآخر الآخر بسهول الزمان تنتصر تدمر تدمر الحريي تدمر الصرخة اللي بقلب الإنسان
اورليانوس: كبلوا زنوبيا خدوها على روما
أهالي تدمر: تتقدم أجسامنا يحصدها السيف الحاصد
تتمدد أيامنا ينهبها الوقت الراصد
إذا مننسى زنوبيا أو صرخة زنوبيا
لوحوا بإيديكن ودعوا زنوبيا
زنوبيا: قولوا للشعرا يكملوا الأشعار
قولوا للثوار يضلهن ثوار
المملكي تدمر انتهت من الأرض
صارت بالقلوب صارت بالمدار
صارت الصرخة وصارت النار
أورليانوس عجل خدني على روما عليت الصرخة كبرت على الموت
لاعسكرك أورليانوس ولا قوة روما ولا كل روما بالدهر بتسكت هالصوت
زنوبيا في الدراما والمسرح
ألهمت شخصية زنوبيا العديد من كتّاب المسرح والدراما في عالمنا العربي الى صياغة مراحل حياتها وبطولاتها، ولعل أبرز ما قدم بالاضافة الى كادر زنوبيا للسيدة فيروز ضمن مسرحية «ناطورة المفاتيح». كان مسلسل «زنوبيا ملكة تدمر» لعملاقة المسرح السيدة نضال الأشقر، وعرض أواخر السبعينيات.
كما انتج التلفزيون السوري مسلسل «العبابيد» الذي قدمت فيه الممثلة رغدة شخصية زنوبيا واخرج العمل بسام الملا في منتصف التسعينيات.
ولعبت كارول سماحة دور زنوبيا في المسرحية التي كتبها منصور الرحباني وقدمت في دبي العام الحالي، ولايزال قيد التصوير حاليا مسلسل عن ابرز النساء اللواتي تولين مقاليد السلطة ومن ضمنهن شخصية زنوبيا.