تتجه الأنظار اليوم الى واشنطن والى ما سيعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شأن الاتفاق النووي مع إيران وعقوبات رفعت بمقتضى الاتفاق، وما إذا كان سيعيد فرضها.
فبعد التوصل إلى الاتفاق النووي في يوليو ٢٠١٥ بين إيران ومجموعة 5+1، أقر الكونغرس الأميركي مشروع قرار يلزم الرئيس الأميركي بتقييم التزام إيران بالاتفاق النووي واتخاذ القرار حول إعادة أو تعليق العقوبات النووية ضد طهران.
وفي منتصف أكتوبر الماضي، وجه ترامب أول ضربة للاتفاق النووي، بإعلانه استراتيجية جديدة للتصدي لإيران بسبب دعمها للإرهاب وزعزعة الاستقرار، وجاءت الخطوة بعد عشرة أشهر على دخوله إلى البيت الأبيض.
وكانت مهاجمة الاتفاق النووي إحدى أوراق ترامب في سباق الانتخابات الرئاسية ضد المرشح الديموقراطي ووصف أكثر من مناسبة الاتفاق النووي بـ«السيئ»، متهما طهران بانتهاك روح الاتفاق النووي.
اليوم يقف الرئيس ترامب أمام ثلاثة سيناريوهات، اثنان يبقيان على الاتفاق حيا والثالث يعادل نهايته:
- السيناريو الأول هو أن يجدد رفض التصديق على الاتفاق النووي، وهو ما يعتبره مراقبون موتا بطيئا للاتفاق النووي بهدف دفع إيران للانسحاب أولا، وهو ما قد تقبل به طهران على مضض على أمل مواصلة الضغط الأوروبي والروسي.
- السيناريو الثاني هو أن يتراجع ترامب عن موقفه السابق ويمنح طهران فرصة أخرى عبر المصادقة على امتثالها بالاتفاق النووي، على أن يتجه لفرض حزمة عقوبات جديدة تشمل الحرس الثوري ومسؤولين إيرانيين متورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يريده الاتحاد الأوروبي.
- السيناريو الثالث هو أن يحسم ترامب موقفه نهائيا ويعلن الانسحاب من الاتفاق النووي، وهو أمر وارد بعد انتقاداته الأخيرة لطهران منذ إعلان استراتيجية تجاه إيران.
عشية القرار الأميركي المرتقب، اجتمع وزراء خارجية ثلاثة من أطراف الاتفاق النووي، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تحت لواء الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بحضور وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لتجديد التمسك باتفاق «خطة العمل المشترك» في الملف النووي الإيراني، رغم تأكيدها على مشاركة الموقف الأميركي من البرنامج الباليستي ودور طهران الإقليمي.
وحثت دول الاتحاد الأوروبي أمس الرئيس الأميركي على تأييد الاتفاق النووي حول الملف الإيراني، باعتبار «الصفقة ضرورة للأمن الدولي».
جدد الاتحاد الأوروبي تمسكه بالاتفاق النووي المبرم بين طهران والدول الست، معتبرا أنه يجعل المنطقة والعالم أكثر أمنا ويقي من سباق محتمل لامتلاك سلاح نووي في الشرق الأوسط.
لكنه تحدث عن اتفاق مبدئي لإطلاق حوار مع إيران في شأن «تغيير سلوكي في المنطقة»، ليطاول تدخلاتها في الشرق الأوسط وتجاربها الصاروخية وانتهاكاتها حقوق الإنسان.
وفي السياق ذاته، فإن القرار المرتقب اليوم من ترامب يتوقع أن يوفق بين تحفظات البيت الأبيض عن الاتفاق، والسعي في الوقت ذاته إلى تطبيقه في شكل أفضل وتجنب انهياره، مع ترجيح أن يوقع ترامب مرسوما لمتابعة إعفاء طهران من العقوبات المرتبطة بالملف النووي، وبالتالي مواصلة التزام الاتفاق، ذلك أن هناك إجماعا لدى الديموقراطيين والجمهوريين على تطبيق الاتفاق لا الانسحاب منه، كونه يتيح منافذ لكبح النشاطات النووي الإيرانية ومراقبتها في شكل لن يتوافر في حال إلغائه.
ولكن الإدارة تبحث أيضا في عقوبات مركزة على النظام الإيراني.
وبعد توقيع ترامب مرسوم التزام الاتفاق النووي، ستقدم الإدارة على تشديد عقوبات ضد الأفراد وأخرى تطاول مؤسسات مالية في إيران، والعقوبات ستتعامل مع برنامج طهران الصاروخي وانتهاكاتها الإقليمية وملف حقوق الإنسان.
الموقف الأوروبي الرافض لقرار ترامب يستند الى عاملين:
-الأول: الالتزام التام بالاتفاق النووي يعد مفتاحا للأمن بالنسبة للاتحاد الأوروبي والمنطقة، وهذا الموقف ليس موقف الاتحاد الأوروبي فقط، إنما موقف المجتمع الدولي بأغلبيته ومن ضمنه روسيا والصين والاتحاد الأفريقي، وينبغي دعمه من أجل استمراره والمحافظة عليه، لأن الإخلال بالاتفاق سيشكل سابقة خطيرة على مستوى التفاهمات الدولية وفقدان الثقة بأي محاولة مستقبلية قد يقدم عليها المجتمع الدولي لحل النزاعات والخلافات من خلال التفاهمات والاتفاقات، ويطرح المسؤولون الأوروبيون في هذا الصدد السؤال التالي: كيف يمكن إقناع كوريا الشمالية التي تمتلك برنامجا نوويا عسكريا بالجلوس على طاولة الحوار وهناك من يخل بالاتفاقات القائمة؟
- الثاني: ما تم نسجه في مرحلة ما بعد التوقيع على الاتفاق (في يوليو العام ٢٠١٥) من علاقات بين الدول الأوروبية الفاعلة، لاسيما فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيران على المستوى الاقتصادي، وقد توصل الطرفان الى صفقة بقيمة ٢٥ مليار دولار لشراء ١٢٨ طائرة مدنية من شركة «إيرباص» الأوروبية، وحظيت شركة «توتال» الفرنسية على صفقة تطوير استخراج الغاز الإيراني قيمتها المبدئية ٥ مليارات دولار، وهذه الاتفاقية ستفتح الباب على تعاون أوسع ودائم في المجال النفطي، كما عاد التعاون بين شركتي «بيجو» و«رينو» الفرنسيتين والشركات الإيرانية لتصنيع السيارات، بالإضافة الى عشرات الاتفاقات بين دول أوروبية وإيران على مستوى تحديث البنية التحتية في إيران.
وهذه الاتفاقات تشكل امتدادا حيويا على المستوى الاقتصادي لعدد من الدول الأوروبية تعاني من تراجع اقتصادي وارتفاع في مستوى البطالة.
أوروبا التي دافعت عن المحافظة على الاتفاق النووي المبرم مع طهران صيف عام ٢٠١٥، تتبنى الطرح الأميركي لجهة الحاجة لـ«فرملة» البرنامج الصاروخي الباليستي لإيران.
وتدعو لفتح نقاش حوله وفق الصيغة التي اعتمدت في الملف النووي؛ بالاتفاق مع مجموعة «5+1»، وتذهب إلى حد اقتراح فرض عقوبات اقتصادية وتجارية على طهران في حال رفضها التجاوب.
فهي لم تعد تخفي قلقها من تبعات البرامج الصاروخية والباليستية الإيرانية ومن السياسات الإقليمية لطهران التي ترى فيها تهديدا لأمن الخليج واستقرار المنطقة.
ويبدو أن المسؤولين الأوروبيين قد حزموا أمرهم وقرروا أخيرا اللجوء إلى الصراحة في تعاطيهم مع طهران رغم الرغبة المباشرة للطرفين في توثيق وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية.
وثمة لهجة أوروبية جديدة في مخاطبة طهران ونمط جديد في مقاربة الملفات الإقليمية التي لإيران صلة أو تدخل فيها.
فقد تخلت أوروبا عن لغة التلميح والإيحاء في الملفات والسياسات المقلقة، وقررت اللجوء الى الأسلوب المباشر في حديثها عن التهديدات الإيرانية.
حتى إن باريس تحدثت علنا للمرة الأولى عن محور إيراني من طهران إلى المتوسط.
كما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ندد بالبرنامج الباليستي الذي تطوره طهران والذي اعتبره «بلا ضوابط».
وسبق للرئيس ماكرون أن حاول التزام موقف وسطي بين طهران وواشنطن، فمن جهة، أكد تمسكه بالاتفاق النووي المبرم مع طهران، وهذا لا يتوافق مع رغبات الإدارة الأميركية، لكنه من جهة ثانية طالب طهران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات للبحث في برنامجها الصاروخي والباليستي، وهذا ما لا ترضاه القيادة الإيرانية.
في الواقع، إن المشهد الاستراتيجي في العالم والمنطقة تبدل في الأعوام الأخيرة، فقد كانت أوروبا تقف جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة الأميركية الحليفة الكبرى لتحصيل الحد الأقصى من التنازلات الإيرانية في البرنامج النووي، أما اليوم، فلا إجماع على فرض العقوبات مجددا على إيران.
حتى حلفاء الولايات المتحدة من الأوروبيين أعلنوا تمسكهم بتواقيعهم على الاتفاق باعتباره يخدم مصالحهم.
وفي هذا الإطار يؤكدون على أنه لا تراجع عن الاتفاق النووي مع إيران ولا عودة للبحث بتفاصيله وبنوده الذي استغرق التوصل إليه نحو عشرة أعوام من المحادثات... والمفارقة أن أوروبا التي وقفت دائما خلف الولايات المتحدة في التعامل مع إيران، تبدو هذه المرة قريبة من موقف الصين وروسيا في تمسكها بالاتفاق، ولا ترغب في بعث أزمة نووية ثانية بعد الأزمة المستفحلة مع كوريا الشمالية والتي تهدد باندلاع حرب نووية، وتسأل عن البديل، بل إن بعضها يعتقد أن السعي إلى قتل هذه الصفقة أو تعديلها سيدفع إيران إلى تعزيز نشاطاتها لزعزعة الاستقرار في المنطقة، فضلا عن العودة إلى استكمال برنامجها النووي.