كان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في إثيوبيا يوم الجمعة الماضي في إطار جولة إفريقية عندما تلقى اتصالا من كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي يحذره فيه أن الرئيس ترامب بصدد اتخاذ إجراء وشيك بحقه إذا لم يستقل، مؤكدا اختيار بديل له.
قطع تيلرسون جولته بحجة «توعك صحي» لكنه لم يستجب للنصيحة، فأقدم ترامب على إقالته لا بل طرده بطريقة «فجة ومهينة». فلم يكلف نفسه عناء إبلاغه مسبقا بالقرار والاتصال به، ولم يكلفه الأمر إلا تغريدة عبر «تويتر» قال فيها: سيصبح مايك بومبيو مدير «سي.آي.إيه» وزير خارجيتنا الجديد. سيقوم بعمل رائع. شكرا لريكس تيلرسون على خدمته. جينا هاسبل ستصبح مديرة «سي.آي.إيه» وأول امرأة يتم اختيارها للمنصب. تهاني للجميع».
هذا الإجراء يدل على أن ترامب، وفي السنة الثانية من ولايته، لم يصل بعد الى فريق العمل الذي يناسبه ولم يركز أوضاع إدارته بشكل مستقر ونهائي، وهذا ما لم يسبق أن حصل مع أي رئيس أميركي من قبل. تيلرسون المقال ينضم الى لائحة طويلة من كبار المسؤولين الذين إما استقالوا أو أقيلوا ومنهم: مايكل فلين (مستشار الأمن القومي)، جايمس كومي (ميدر مكتب التحقيقات الاتحادي)، ستيف بانون (المنظر العقائدي وصانع حملته الانتخابية)، نيس بيربوس (كبير موظفي البيت الأبيض)، توم برايس (وزير الصحة) هوب هيكس وأنطوني سكاراموتشي (مديرا الاتصالات)، غازي كوهن (المستشار الاقتصادي)، شون سبايسر (المتحدث باسم البيض الأبيض).
لكن ترامب الذي يقود إدارة غير مستقرة وفريق عمل متأخر في اكتماله، يثبت في المقابل أنه ممسك بزمام الأمور ولديه القدرة على اتخاذ قرارات صعبة وإجراء تغييرات دراماتيكية بطريقة سهلة وسلسة، وأنه لا يتكيف مع أداء مستشاريه ووزرائه وإنما يريد أن «يكيفهم» مع سياسته وآرائه، وكل من لا يظهر قدرة التكيف ورغبة الرضوخ يكون القرار بإزاحته من الطريق. فلا شيء ولا أحد يقف في وجهه ويؤثر عليه، وهذا ما ينطبق على وزير خارجيته تيلرسون الذي لم يقف معه في الكثير من المحطات والملفات.
لائحة الخلافات والتباينات تطول وتشمل التوتر الغربي الروسي والتجارب النووية الكورية الشمالية والحرب في سورية والأزمة الخليجية مع قطر، فقد تميزت فترة عمل تيلرسون في الخارجية بكثير من الاضطراب وتلقى انتقادات حادة لدى تعامله مع سلسلة أزمات سياسية.
الاختلاف بين الرجلين يدور حول ملفين أساسيين وكبيرين أولهما ملف كوريا الشمالية بعدما اتخذ ترامب قرارا تاريخيا بفتح خط تفاوض مباشر مع الزعيم الكوري الشمالي «كيم جونغ أون» وعقد «لقاء قمة» معه. وهذا القرار اتخذه من دون علم تيلرسون ومن دون التشاور معه بذريعة أنه سيعارض أي قرار في هذا الصدد. ويبدو أن ترامب رأى أن تغيير فريقه في السياسة الخارجية بات أمرا ملحا استعدادا لهذه القمة المرتقبة التي تشكل نقطة تحول مهمة. أما الملف الثاني، فهو ملف إيران حيث وقع الخلاف الكبير في كيفية التعاطي مع دولة إقليمية رئيسية تشكل محور الاستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط.
الرئيس ترامب كان صريحا ومباشرا في الإشارة الى ملف الاتفاق النووي الإيراني كقضية خلاف رئيسية مع تيلرسون، وقال أمس بالحرف الواحد: «أعتقد أن هذا الاتفاق رهيب بينما اعتبره تيلرسون مقبولا. أردت إما إلغاءه أو القيام بأمر ما، فيما كان موقفه مختلفا بعض الشيء.
عندما ننظر الى الصفقة الإيرانية أعتقد أنها فظيعة بينما هو يعتقد أنها مقبولة. أردت الانسحاب من الاتفاق النووي أو تعديله، لكن تيلرسون كان له رأي مختلف بشأنه».
على عكس الوزير المقال الذي حاول بشدة إقناع ترامب بأن الولايات المتحدة يجب أن تلتزم بالاتفاق الدولي المبرم مع إيران من أجل تجميد أنشطتها النووية، «فإن الوزير الجديد «بومبيو» يعد من أشد المعارضين للاتفاق النووي الإيراني، وعرف بمواقف متشددة ضد إيران خلال عمله عضوا في الكونغرس وكان من أكثر المنتقدين الجمهوريين للسياسة الخارجية للرئيس السابق باراك أوباما في منطقة الشرق الأوسط. وبعد توليه إدارة وكالة المخابرات المركزية حذر بومبيو من أن طهران لديها نية تدمير أميركا، ووصف الاتفاق النووي بـ «الكارثي».
وقال عن إيران انها «دولة بوليسية مدمرة»، مشجعا الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما. ووعد بومبيو بتضييق موارد إيران المالية، وقدرتها على جذب الاستثمارات. وفي تصريحات له في تشرين الأول الماضي أبدى بومبيو امتعاضه من الاتفاق النووي مع إيران، وقال إنه يمكن لمجتمع الاستخبارات الأميركية، بالتعاون مع وزارة الخزانة، أن يجعل من الصعب على طهران التدخل في الشؤون الإقليمية بالشرق الأوسط عن طريق تسليط الضوء على الشركات الإيرانية التي تجمعها علاقات بالحرس الثوري الإيراني.
«مايك بومبيو» يثير إعجاب ترامب الذي قال عنه بعد تعيينه وزيرا للخارجية: «مع مايك لدينا أفكار متشابهة جدا، ولهذا أعتقد أنه سيقوم بعمل جيد للغاية. لديه طاقة هائلة، ويتمتع بذكاء هائل، وهو الشخص المناسب في هذا المنعطف الحاسم. نحن دائما على الموجة ذاتها، وسيواصل برنامجنا بإعادة مكانة أميركا في العالم وتقوية تحالفاتنا ومواجهة خصومنا. العلاقة بيننا جيدة جدا، وهذا ما أحتاج إليه في وزير الخارجية. أنا أقترب من الحصول على الإدارة التي أريدها».
لكن تعيين بومبيو على رأس الديبلوماسية الأميركية يثير بالمقابل قلق إيران التي تنظر الى هذا التغيير على أنه مؤشر سيئ الى توجهات ترامب وسياسته التصعيدية ضدها. إيران تنظر بقلق شديد حيال هذا التغيير الكبير في أحد أبرز مناصب الإدارة الأميركية، لاسيما أن بومبيو يعتبر صقرا متشددا للغاية في كل ما يتعلق بإيران سواء ملفها النووي أو نفوذها المتعاظم في الشرق الأوسط وأطماعها التوسعية فيه. ويرجح المراقبون ألا يتردد بومبيو في مباركة أي قرار من ترامب بسحب واشنطن من الاتفاق الدولي الموقع مع إيران بشأن برنامجها النووي، وهذا الواقع المستجد حتما سيزيد من الضغوط على الدول الأوروبية لكي تستجيب لرغبة الرئيس الأميركي في إدخال شروط جديدة على الاتفاق النووي تأخذ في الاعتبار: أهمية الحد من التجارب الصاروخية الباليستية التي يقوم بها النظام الإيراني، وضرورة وقف دعمه وتمويله التنظيمات والجماعات المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط مثل حوثيي اليمن وحزب الله اللبناني وحركة «حماس» الفلسطينية.
يريد ترامب الضغط على دول الاتحاد الأوروبي كي تكف عن الحماية التلقائية لإيران صيانة للاتفاق النووي، وينوي شن حملة مع الأوروبيين هدفها إنزال العقوبات بإيران، بالذات «الحرس الثوري» الذي يتوغل في اليمن والعراق وسورية ولبنان ويندد ترامب بسياسة سلفه أوباما تجاه إيران، وتحديدا لجهة توقيع الاتفاق النووي والإفراج عن ودائع إيرانية وصلت قيمتها الى مائة مليار دولار، وإطلاق يد إيران في المنطقة لتتمدد في كل الاتجاهات. وكان أوباما يفترض أو يتوهم، مع عدد من الحكومات الغربية، أن الاتفاق النووي سيفضي إلى تغيير في سلوك إيران وسياساتها في الخارج بل خصوصا في الداخل، لكن تبين لاحقا أن رهان الدول الغربية على تحسن السلوك الإقليمي لإيران لم يختلف عن رهان الإيرانيين على تغيير السياسة الداخلية وإجراء إصلاحات، فكلاهما لم يتحقق.
كانت لقاءات سرية أميركية إسرائيلية عقدت تكرارا في الأشهر الماضية بمشاركة ممثلين رفيعي المستوى عن البيت الأبيض وأجهزة الاسخبارات ووزارتي الدفاع والخارجية، وخلصت إلى برنامج عمل استراتيجي مشترك لكبح الأنشطة الإيرانية في المنطقة، وحيث إن الجانبين بلورا وثيقة التفاهمات في ترجمة لخطة ترامب في الموضوع الإيراني، بحيث توصلا إلى تعريف الأهداف الاستراتيجية المشتركة في ما يتعلق بإيران وتهديداتها للمصالح الأميركية والإسرائيلية. وفي آخر حذر تقرير استراتيجي أميركي صدر هذا العام، ورد احتمال حدوث مواجهة عسكرية بين إيران وأميركا وحلفائها في المنطقة، معتبرا إياها التهديد الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة هذا العام.
ويلقي التقرير باللوم على إيران بسبب تورطها في الصراعات الدائرة في المنطقة، والدعم الذي تقدمه للميليشيات المنخرطة في حروب بالوكالة مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله اللبناني، مؤكدا أن خطر المواجهة بين واشنطن وطهران لا يقتصر على احتمالية الحرب، موضحا أن المواجهة قد تحدث بين الطرفين في حال وقوع حادث أو اشتباك متعمد بين قوات البلدين في مياه الخليج.