بدأت بريطانيا اعتبارا من أمس، مرحلة جديدة من تاريخها خارج الاتحاد الأوروبي، بعد 47 عاما من المساكنة، لكن تحديات ما بعد الخروج «بريكست» لا يبدو أنها ستكون أقل من تلك التي واجهتها قبل وخلال مفاوضات الانسحاب، حيث ستسعى الى نسج علاقات جديدة مع التكتل الذي يضم 27 دولة وتحديد مكانها الجديد في العالم.
وشكل الحدث انقساما كبيرا بين البريطانيين المؤيدين والرافضين لـ«بريكست».
وفي الساعة 11 من ليل أول من أمس في لندن لم تدق ساعة بيغ بن الشهيرة كونها تخضع للصيانة، لكن الآلاف من مؤيدي بريكست احتشدوا أمام مبنى البرلمان حيث احتفلوا على وقع التصفيق والنشيد الوطني بخروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
وقبل ثلاثين ثانية من حلول الساعة 11 ليلا بالتوقيت المحلي (منتصف الليل بتوقيت بروكسل) بدأ المحتشدون حول قصر ويستمنستر، مقر البرلمان البريطاني، العد التنازلي ليعلو في نهايتها التصفيق والهتاف وصيحات الفرح مصحوبة بإطلاق بالونات في السماء وتبادل العناق.
وردد مؤيدو بريكست الذين رفعوا الأعلام البريطانية والإنكليزية كلمات النشيد الوطني «ليحفظ الله الملكة» التي عرضت أمامهم على شاشة عملاقة، قبل أن يطلقوا العنان للألعاب النارية. أما رئيس الوزراء بوريس جونسون، الذي يعتبر بطل الـ«بريكست» ومن أشد المؤيدين له، فحاول أن يظهر بمظهر الشخصية الجامعة في بلد تسبب فيه ملف البريكست بشرخ عميق. واحتفل جونسون بوقوع الطلاق بين بروكسل ولندن بحفل استقبال متواضع في داونينغ ستريت. وفي خطاب تم بثه قبل ساعة من بريكست، وعد رئيس الوزراء المحافظ البالغ من العمر 55 عاما وراهن على بريكست «بنجاح مدو (...) أيا تكن العقبات». وقال إن «أهم شيء يجب أن نقوله هو إن هذه ليست النهاية بل البداية، لحظة الفجر ورفع الستار على فصل جديد». ووعد «ببداية عصر جديد من التعاون الودي» مع الاتحاد الأوروبي.
ونظم الحفل الجماهيري أمام مبنى البرلمان عتاة المتحمسين لبريكست يقودهم نايجل فاراج الذي خسر بخروج بلاده من الاتحاد الأوروبي مقعده في البرلمان الأوروبي لكنه حقق حلمه القديم.
وقال فاراج في كلمة أمام الحشد إن «هذه أهم لحظة في التاريخ الحديث» للمملكة المتحدة، مضيفا على وقع تصفيق شديد «لقد فعلناها (...) لقد انتصرت الديموقراطية». وإذ كان عدد من مؤيدي «بريكست» قد أحرقوا خلال النهار العلم الأوروبي، فإن الأجواء التي سادت احتفالات المساء تميزت بالفرح والصخب.
لكن الصورة كانت معاكسة تماما للأجواء الاحتفالية في اسكتلندا وأيرلندا الشمالية، حيث أضيئت الشموع في ادنبرة حزنا على الانفصال مع حلم عودة اسكتلندا مستقلة يوما ما إلى الحضن الأوروبي.
وبعد نحو نصف قرن من العمل الأوروبي، خسر الاتحاد للمرة الأولى أحد أهم أعضائه ومعها 66 مليون نسمة.
لكن مازالت أمام جونسون مهام كبيرة لجعل شعاره «بريطانيا عالمية» الذي يفترض أن يرمز لبلد مستعد لمواجهة العولمة، حقيقة.
ويفترض أن يقدم رئيس بلدية لندن السابق غدا رؤيته في خطاب، بينما سيعرض كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه أولويات المرحلة الجديدة للمفاوضات التي تفتتح في لندن.
وفي المقابل، اختارت صحيفة «الغادريان» عنوانا لمقال افتتاحي بهذه المناسبة: «اليوم الذي قلنا فيه وداعا» مع صورة لكلب (بولدوغ) يبدو حزينا وعبارة «سنفتقدكم بالفعل»، وانتهت الصحيفة في افتتاحيتها إلى أن «المشاعر المختلطة ليوم الخروج تظهر أن المملكة المتحدة لا تزال لا تعرف ما تريد».
وكتبت صحيفة «ديلي ميرور» في عنوانها الرئيسي «ابنوا الآن بريطانيا العظمى التي وعدنا بها».