وصلت ارتدادات مقتل الأميركي من أصول أفريقية جورج فلويد، وما خلفه من احتجاجات مستمرة ضد العنصرية، إلى عقر دار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأصبح يواجه ما يشبه التمرد الداخلي من «العسكر» المحيطين به، رغم تراجع حدة العنف الذي رافق المظاهرات خلال أيامها العشرة الماضية.
وبعد أيام من انتقاده تراخي حكام الولايات في التعامل مع الاحتجاجات وما رافقها من أعمال عنف، وتلويحه باستخدام الجيش لاستعادة الأمن، تراجع ترامب خطوة إلى الوراء، وقال إنه لا يعتقد أنه سيحتاج إلى الاستعانة بقوات الجيش للتصدي للاحتجاجات التي رفعت شعارات «حياة السود مهمة» و«لا أستطيع التنفس» وهي آخر عبارة نطقها فلويد قبل ان يموت خنقا تحت ركبة الشرطي الأبيض، في مينيابوليس.
وقال ترامب في مقابلة مع تلفزيون نيوزماكس ردا على سؤال عما إذا كان سيرسل الجيش إلى أي مدينة «لا أعتقد أننا سنضطر لذلك».
وساهم هذا التهديد على ما يبدو في تأجيج المحتجين الذين واصلوا تحدي الرئيس وتحدي قرارات حظر التجول في معظم المدن الأميركية، ناهيك عن موجة الانتقادات التي أثارها حتى من أقرب الحلفاء.
فقد حاول وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر النأي بنفسه عن ترامب، قائلا إنه لا يعتقد أن الوضع الحالي يستدعي نشر جيش نشط.
وقال إسبر إن القوات العاملة الفعلية يجب ألا تستخدم إلا «كملاذ أخير». وأضاف إنه لا يؤيد تفعيل القانون الفيدرالي يخول للرئيس الحق في استدعاء القوات المسلحة ونشرها على الأراضي الأميركية.
واعتبر إسبر أن العنصرية في الولايات المتحدة «حقيقية» وأنه من المهم التحدث عن هذا الموضوع، وتعهد بأن وزارة الدفاع ملتزمة بإنهاء العنصرية.
وسرت مخاوف من إقالة اسبر على غرار ما يفعله ترامب مع مخالفيه في الرأي، لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني أكدت للصحافيين: «في الوقت الحالي، الوزير إسبر لايزال هو الوزير إسبر.. وإذا فقد الرئيس إيمانه به فسوف نعرف جميعا ذلك في المستقبل».
تمرد آخر، على ترامب ظهر بتخلي وزير الدفاع الأميركي السابق جيم ماتيس عن تحفظه ليشن هجوما لاذعا على الرئيس ويتهمه بالسعي إلى «تقسيم» الولايات المتحدة.
وقال إن: «دونالد ترامب هو أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الأميركيين، بل إنه حتى لا يدعي بأنه يحاول فعل ذلك».
وأضاف: «بدلا من ذلك، فإنه يحاول تقسيمنا»، في تصريح نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» على موقعها الإلكتروني.
وهذا أول انتقاد من نوعه يصدر عن ماتيس، الجنرال السابق في سلاح المارينز والذي يحظى بتقدير كبير في بلاده وفي صفوف ضباط وزارة الدفاع «الپنتاغون» ما يظهر حالة التوتر التي تعيشها أوساط الوزارة بحسب ما قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.
وسبق لماتيس أن رفض مرارا توجيه أي انتقاد لترامب لأنه كان يعتبر أنه من غير المناسب انتقاد رئيس أثناء توليه منصبه.
ولكن الجنرال المتقاعد دافع في مرافعته الاتهامية عن المتظاهرين الذين قال إنهم يطالبون «عن وجه حق» بالمساواة في الحقوق.
وقال إن الكيل قد طفح، إذ يدفع الأميركيون «عواقب 3 سنوات من غياب القيادة الناضجة». ولم يتأخر ترامب عن الرد، مرسلا تغريدة وصف فيها ماتيس بأنه «الجنرال الذي يحظى بأكثر تقدير مبالغ به في العالم» وبأنه «كلب مسعور».
وقال: «أنا سعيد لأنه غادر!» منصبه.
وبصفته أول من تولى وزارة الدفاع بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، حتى برأي الأوساط الجمهورية، كان جيم ماتيس يعد أحد «البالغين القلائل» القادرين على احتواء اندفاعات رجل الأعمال السابق.
وقدم استقالة كان لها صد قوي في ديسمبر 2018 في اليوم التالي لإعلان ترامب انسحابا أحاديا من سورية، دون استشارة حلفاء واشنطن في الحرب ضد تنظيم داعش المتطرف.
في هذه الأثناء، يواصل آلاف الأميركيين التظاهر في لوس أنجيليس ونيويورك وواشنطن ومدن أخرى، في احتجاجات عاد إليها الطابع السلمي بعد أيام من النهب والسلب الذي تخلل بعضها.
وعلى الرغم من أن المتظاهرين تحدوا حظر التجول، إلا أنه كان هناك انخفاض في أعمال العنف.
وردد متظاهرون أمام البيت الأبيض هتافات، بينها «من الذي تقومون بحمايته؟»، ورفع متظاهر لافتة كتب عليها «اذكروا أسماءهم».
وفي نيويورك، تجمع مئات الأشخاص في وقفة سلمية صامتة احتجاجا على وفاة جورج فلويد.
وقال عمدة نيويورك بيل دي بلاسيو إن النهب المتفشي في نيويورك أفسح المجال لـ «صورة مختلفة للغاية» في الليلة الثانية للمدينة تحت حظر التجول، مشيرا إلى أن الاحتجاجات ظلت «سلمية إلى حد كبير».
وأضاف دي بلاسيو في مؤتمر صحافي إنه لاتزال هناك «بعض الحوادث التي قرر فيها الناس القيام بشيء غير قانوني» وبعض المحاولات لمهاجمة ممتلكات، لكن الاستراتيجيات الجديدة التي استخدمتها الشرطة كانت فعالة.
البيت الأبيض يستحضر تشرشل للرد على انتقادات «صورة الكنيسة»
دافع البيت الأبيض بشدة عن قيام الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالخروج والوقوف أمام كنيسة سانت جون، بالقرب من مقر الرئاسة حاملا الكتاب المقدس بيده، بعدما قامت قوات الأمن بتفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع لفتح الطريق أمامه.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني إن «الرئيس أراد توجيه رسالة قوية»، مؤكدة أنه سار بذلك على خطى شخصيات عظيمة مثل رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل.
وأوضحت أنه «عبر العصور رأينا رؤساء وقادة شهدوا لحظات قيادة ورموزا قوية جدا كانت مهمة لبلد ما (...) مثل تشرشل الذي ذهب لتفقد الأضرار الناجمة عن القنابل» في لندن خلال الحرب العالمية الثانية، مؤكدة أن ذلك «كان رسالة قيادة قوية للشعب البريطاني».
جميع الأحياء من رؤساء أميركا السابقين يصدرون بيانات لإدانة التمييز العنصري
أدلى جميع الأحياء من رؤساء الولايات المتحدة السابقين بتصريحات تدين العنصرية المستمرة في البلاد، حيث أصدر كل من جيمي كارتر وبيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما بيانات تدين استمرار عدم المساواة والتمييز ضد ذوي البشرة السمراء في الولايات المتحدة.
وبدا الكثير منهم ينتقدون الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد أدان ترامب مقتل فلويد في العديد من المرات، لكنه تعرض لانتقادات بسبب عدم اتخاذه موقفا ضد العنصرية وإظهاره تفهمه غضب المواطنين من وحشية الشرطة ضد الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية.
وقال الرئيس الأسبق جيمي كارتر في بيان له أمس الأول إنه يجب بذل المزيد لمعالجة نظام الشرطة والعدالة التمييزي العنصري، معربا عن إدانته لـ «الفوارق الاقتصادية غير الأخلاقية بين ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرة السمراء».
وأضاف كارتر: «نحن مسؤولون عن خلق عالم يسوده السلام والمساواة، من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة».
من ناحية أخرى، قال جورج دبليو بوش في بيان له الثلاثاء الماضي: «مازال فشلا ذريعا أن يتعرض الكثير من الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية، ولاسيما شباب الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية، لمضايقات وتهديدات في بلدهم».
في الوقت نفسه، وصف بيل كلينتون مقتل فلويد بأنه «الأحدث في سلسلة طويلة من المآسي والظلم، وتذكير مؤلم بأن عرق الشخص مازال يحدد كيف سيتم التعامل معه في كل جانب من جوانب الحياة الأميركية تقريبا».
الرئيس المؤيد للقوة يرى الاحتجاجات بـ «منظور حربي»
أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليمات صريحة، اعتبرها البعض مثيرة للقلق، بـ«السيطرة» لحكام الولايات الذين يواجهون احتجاجات في الشوارع في جميع أرجاء البلاد ضد العنف الذي تمارسه الشرطة.
وأبلغ ترامب حكام الولايات «إذا كنتم لا تسيطرون، فأنتم تضيعون وقتكم»، ،قتل اجاب وقال «حينها سأقوم بنشر الجيش الأميركي وحل المشكلة لهم بسرعة».
لطالما كان لدى ترامب إعجاب بالقوة المادية وإعجاب بقادة العالم الذين لا يخشون استخدامها، وهو ما يعتبر في كثير من الأحيان هذه مسألة أسلوب.
منذ أيام بنائه للعقارات، صاغ ترامب صورة لنفسه كرجل أعمال متهور ومتسلط سيفعل أي شيء للفوز، فهو يحب مشاهدة نزالات المصارعة والفنون القتالية المختلطة. وكرئيس، يملأ خطاباته بكلمات مثل: «قوية» و«صارمة».
وعمد ترامب الى كسر المعايير الديبلوماسية الأميركية من خلال تعبيره عن الإعجاب بالقادة الأقوياء، مثل: زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ومع تبقي خمسة أشهر فقط حتى الاستحقاق الانتخابي، يخشى نقاد أن يكون ترامب يستخدم أزمة وطنية في معرض نزعته الاستبدادية.
بعد أن أعلن ترامب نفسه رئيسا في زمن الحرب في مواجهة جائحة كوفيد-19، ينخرط الآن في وضع عسكري فعلي في شوارع الولايات المتحدة.
وعوضا عن التركيز على ما يقوله المحتجون من أن أصل الاضطرابات، يتمثل في عقود من العنصرية والعنف ضد الأميركيين من أصل افريقي، صوب ترامب على أعمال الشغب التي تقوم بها أقلية، واصفة ذلك بـ«الإرهاب المحلي».
وفي واشنطن، حلقت المروحيات العسكرية على ارتفاع منخفض فوق المتظاهرين، فيما انتشرت مجموعة من وحدات الأمن المختلفة في شوارع العاصمة الفدرالية.
لايزال ترامب متأخرا في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في 3 نوفمبر المقبل، ويعتقد محللون أنه يأمل أن ينقذه شعاره الجديد «القانون والنظام»، الذي سبق واستخدمه الرئيس ريتشارد نيكسون في العام 1968 المضطرب وساعده على الفوز بعد أن شجع قاعدته على التصويت بكثافة.
وفي هذا الصدد، شبهت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكناني صورة ترامب خارج الكنيسة برئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل في حقبة الحرب العالمية الثانية أثناء جولته في حطام لندن خلال القصف النازي.
وأوضحت أنه «عبر العصور رأينا رؤساء وقادة شهدوا لحظات قيادة ورموزا قوية جدا كانت مهمة لبلد ما (...) مثل تشرشل الذي ذهب لتفقد الأضرار الناجمة عن القنابل» في لندن خلال الحرب العالمية الثانية.
لكن كثيرين لايزالون تحت وقع الصدمة، فقد اتهمت النائبة الديموقراطية أبيجيل سبانبرغر التي كانت تعمل في أجهزة الاستخبارات ترامب بخيانة أسس حكم القانون، وقالت بصفتي ضابطة سابقة في وكالة الاستخبارات المركزية أعرف هذه الاستراتيجية.
وفي كثير من الأحيان مع ترامب، من الصعب تمييز أين ينتهي أسلوب تلفزيون الواقع الخاص به وحيث يبدأ الواقع الحقيقي.
وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، فجر الأزمات في شكل متكرر على الأزمات التي تتراوح من محاولته بناء جدار على الحدود المكسيكية إلى التهديد بشن حرب ضد إيران.
سياسيا، يشعر ترامب أنه في الصف الرابح فقد صرح لتلفزيون نيوزماكس اليميني بأن الديموقراطيين سيخسرون الانتخابات لأنهم ضعفاء فيما يتعلق بالجرائم، مضيفا أنا القانون والنظام ليسا كذلك.